لا يصل خبر هذا القتل إلى فرعون ، ويؤيّد هذا التأويل أنّه عقّبه بهذا الكلام حيث قال :
« رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ » ولو كانت إعانة المؤمن الإسرائيليّ سببا للمعصية لما قال عليه السّلام ذلك .
وأمّا قوله : « فَعَلْتُها إِذاً وأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ » فليس مراده عليه السّلام أنّي صرت بذلك القتل ضالًّا ولكن فرعون لمّا نسب إليه الكفر بسبب القتل تفي عن نفسه الكفر وقال : كنت متحيّرا لا أدري ما يجب عليّ وأمّا استغفاره عن قتله على كونه كافرا حربيّا قلنا لعلّ بسبب اختلاف الشرائع كان الأولى عدم قتله في ذلك الوقت .
وبالجملة قال الرازيّ : على أنّ لو فرضنا وسلَّمنا دلالة هذه الآية على صدور المعصية لكنّا بيّنّا أنّه لا دليل البتّة على أنّه كان رسولا في ذلك الوقت فيكون ذلك صادرا منه قبل النبوّة وذلك لا نزاع فيه « 1 » .
قوله تعالى : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 16 إلى 20 ] قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَه إِنَّه هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 16 ) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ ( 17 ) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَه بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُه قالَ لَه مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ( 18 ) فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ وما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ( 19 ) وجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ( 20 )
ثمّ حكى سبحانه أنّ موسى حين قتل القبطيّ ندم على ذلك وقال : * ( [ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ] ) * في هذا القتل فإنّهم لو علموا بذلك يقتلوني . قال المرتضى : إنّما قاله على سبيل الانقطاع إلى اللَّه والاعتراف بالتقصير عن أداء حقوق نعمه أو من حيث حرّم نفسه الثواب المستحقّ بفعل الندب * ( [ فَاغْفِرْ لِي ] ) * وقبول الاستغفار والتوبة قد يسمّى غفرانا * ( [ فَغَفَرَ لَه إِنَّه هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ] ) * بهم المنعم عليهم .
هامش
( 1 ) وهذا يصح على مذهبهم ، اما الامامية فلا يفرقون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بين زمن النبوة وقبله .