تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
فإن قيل : كيف يتهيّأ لهم هذه الأعمال الشاقّة وأجسامهم رقيقة لا يقدرون على العمل الثقيل ؟ فالجواب بأنّه سبحانه كثّف أجسامهم وقوّاهم خاصّة وزاد في عظمهم ليكون ذلك معجزا لسليمان فلمّا مات سليمان ردّهم اللَّه إلى الخلقة الأولى وما أبقاهم على الخلقة الثانية للفساد والشبهات على الناس لأنّه لو ادّعى متنبّئ النبوّة وجعل آثارهم دلالة على نبوّته لاشتبه الأمر ولذلك ردّهم إلى الأوّل . وقيل : ليس الأمر على ما قلتم بل يجوز حصول القدرة على هذه الأعمال الشاقّة في الجسم اللطيف والبنية ليست شرطا في القدرة ويكون هذا أيضا معجزة لسليمان عليه السّلام كما أنّ أصلب الأجسام الحديد وقد جعله اللَّه في إصبع داود عليه السّلام - أبيه - كالعجين وإذا قدر اللَّه أن يجعل في إصبع داود عليه السّلام قوّة النار مع كون الإصبع في نهاية اللطافة فأيّ بعد في أن يجعل التراب اليابس جسما حيوانيّا آدميّا فيبعثه كما كان . ثمّ إنّ ألطف الأشياء وأمنعها في هذا العالم الهواء والنار وقد جعلهما معجزة لسليمان أمّا الهواء فقوله تعالى : « فَسَخَّرْنا لَه ُ الرِّيحَ » وهل الريح إلَّا هواء متموّج . وأمّا النار فلأنّ الشياطين مخلوقون منها وقد سخّرهم اللَّه له فكان يأمرهم بالغوص في المياه والنار تنطفئ بالماء وهم ما كان يضرّهم الماء وذلك يدلّ بقدرته على إظهار الضدّ من الضدّ فاعتبروا يا اولي الأبصار ! ! القصّة السادسة : * ( [ وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّه ُ ] ) * واذكر يا محمّد أيّوب لمّا امتدّت المحنة به فدعا ربّه وقال : إنّي نالني * ( [ الضُّرُّ ] ) * وأصابني الجهد ولا أحد أرحم منك وهذا تعرّض منه بالدعاء لإزالة ما به من البلاء وهو من لطيف الكنايات في طلب الحاجة ومثله قول موسى : « رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ » « 1 » والضرّ بالفتح شامل وشائع في كلّ ضرر ، وبالضمّ خاصّ بما في النفس كمرض أو هزال ومثله . * ( [ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ] ) * وصف ربّه بغاية الرحمة بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها واكتفى بذلك عن تعرّض المطلوب لطفا في السؤال .
هامش
( 1 ) القصص : 24 .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 180 | مير سيد علي الحائري الطهراني