المعنى : إنّ الكفّار المتصاممين عن آيات اللَّه على هذه الصفة من الجرأة والجسارة يؤول أمرهم إلى أن إذا شاهدوا اليسير ممّا انذروا به وأصابهم بعض قليل في نهاية القلَّة ممّا يستحقّونه من العقوبة فيعترفون ويسمعون حينئذ ويقولون : الويل لنا * ( [ إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ] ) * أنفسنا وأصل النفح من الربح النسيئة كأنّه سبحانه يقول : وإن مسّتهم رائحة من العذاب لتنادوا بالويل . قال صاحب الكشّاف : في المسّ والنفح ثلاث مبالغات لفظ المسّ وما في النفح من معنى القلَّة والنزارة ولفظ المرّة .
ثمّ بيّن سبحانه أنّ جميع ما ينزل بهم في الآخرة لا يكون إلَّا عدلا وهذا معنى * ( [ وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ ] ) * وصف اللَّه الموازين بالقسط لأنّ الميزان قد يكون غير مستقيم وأكّد ذلك بقوله : * ( [ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ] ) * والقسط وإن كان صفة للموازين وموحّد فهو كقولك للقوم : أنتم عدل . وقال الزجّاج : أي موازين ذوات العدل والقسط .
وقوله : « لِيَوْمِ الْقِيامَةِ » أي لأهل يوم القيامة . قيل : المراد بالموازين العدل بينهم في الأعمال فمن أحاطت حسناته بسيّئاته ثقلت موازينه يعني أنّ حسناته تذهب بسيّئاته ومن أحاطت سيّئاته بحسناته فقد خفّت موازينه أي إنّ سيّئاته تذهب بحسناته ، حكاه ابن جرير هكذا عن ابن عبّاس ، ولكن اتّفق الجمهور والأئمّة على أنّه سبحانه يضع الموازين الحقيقيّة فتوزن بها الأعمال وهو ميزان له كفّتان ولسان وهو بيد جبرئيل .
وروي أنّ داود عليه السّلام سأل ربّه أن يريه الميزان فلمّا رآه غشي عليه فلمّا أفاق قال : يا إلهي من الَّذي يقدر أن يملأ كفّته حسنات ؟ فقال : يا داود إنّي إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة .
قال الرازيّ : إنّ حمل الميزان على مجرّد العدل مجاز وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز غير جائز لا سيّما قد جاءت الأحاديث الكثيرة بالأسانيد الصحيحة في هذا الباب .
فلو قيل : هذه الآية يناقضها قوله : « فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً » « 1 » .
فالجواب أنّه لا يكرمهم ولا يعظَّمهم . وفي الكافي عن السجّاد عليه السّلام في كلامه في وعظه من جملة له : اعلموا عباد اللَّه أنّ أهل الشرك لا ينصب لهم الموازين ولا ينشر لهم
هامش
( 1 ) الكهف : 106 .