وهم قريش أو اليهود والنصارى . والإنذار في الآية الأولى يعمّ جميع الكفّار وفي هذه الآية القائلين باتّخاذ الولد وليس لهؤلاء القائلين بهذا القول الشنيع علم ومأخذ إلَّا التقليد لآبائهم الجهلة من غير حجّة .
* ( [ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ ] ) * قرئ بالرفع على الفاعليّة وبالنصب على التميز ، والنصب أبلغ لأنّ فيه معنى التعجّب كأنّه قيل : ما أكبرها كلمة ! ومعنى التميز أنّك إذا قلت :
كبرت الكلمة أو المقالة ، يتوهّم أنّها كبرت كذبا أو جهلا فلمّا قلت : كلمة ، ميّزتها من محتملاتها فانتصب على التميز . ووصف الكلمة بالخروج من الأفواه توسّع ومجاز وإن كانت الكلمة عرضا لا يجوز عليه الدخول ولا الخروج والحركة والسكون ولكن لمّا كانت الكلمة قد تحفظ وتثبت وتقرأ فجاز وصفها بالخروج ، وذكر الأفواه تأكيدا وتصريحا في القبح * ( [ إِنْ يَقُولُونَ ] ) * أي ما يقولون * ( [ إِلَّا كَذِباً ] ) * وافتراء على اللَّه .
* ( [ فَلَعَلَّكَ ] ) * مهلك * ( [ نَفْسَكَ ] ) * يا محمّد [ على آثار ] قومك إن لم يصدّقوا * ( [ بِهذَا الْحَدِيثِ ] ) * أي القرآن الَّذي انزل عليك تلهّفا وحزنا . وقيل : معنى « عَلى آثارِهِمْ » أي بعد موتهم لشدّة شفقتك عليهم ، وهذه معاتبة من اللَّه لرسوله على شدّة وجده وكثرة حرصه على إيمان قومه حتّى بلغ ذلك به مبلغا يقرّبه إلى الهلاك . وإطلاق القرآن على الحديث يدلّ على حدوثه ويدلّ على فساد القول بالقدم .
قوله تعالى : [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 7 إلى 8 ] إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ( 7 ) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً ( 8 )
ثمّ بيّن سبحانه ابتداء خلقه بالنعم * ( [ إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الأَرْضِ ] ) * من الأنهار والأشجار وأنواع المخلوقات من الحيوان والنبات والجماد حلية وزينة للأرض ولأهلها لنختبرهم أنّ أيّهم * ( [ أَحْسَنُ عَمَلًا ] ) * بطاعة اللَّه والأطوع له ليظهر المطيع والعاصي ، وإنّا لمخربون الأرض بعد عمارتها وجاعلون ما على الأرض مستويا يابسا لا نبات عليها بلقع .
فتبيّن بهذا التقرير أنّ اللَّه سبحانه أراد من الخلق العمل الصالح وعلى أنّ أفعالهم هي الصادرة من جهتهم ولولا ذلك لما صحّ الابتلاء ، وفي ذلك بطلان قول أهل الجبر .