وثانيها أنّ المشركين قالوا : أمّا الرحيم فنعرفه وأمّا الرحمن فلا نعرف إلَّا رحمن اليمامة . وقيل : إنّ اليهود قالوا : إنّ ذكر الرحمن في القرآن قليل وهو في التوراة كثير . وقد شرحنا هذا البيان في سورة الأعراف .
قوله تعالى : * ( [ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها ] ) * اختلف في معناه : روي أنّ النبي صلى اللَّه عليه وآله كان إذا صلَّى جهر في صلاته والمشركون يسمعونه فشتموه وآذوه فأمره سبحانه بترك الجهر وكان ذلك بمكّة في أوّل الأمر ، روي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد اللَّه . وقيل : إنّ معناه :
لا تجهر بإشاعة صلاتك عند من يؤذيك ولا تخافت بها عند من يلتمسها منك . وقيل : المراد بالصلاة الدعاء والمسألة ، لا ترفع صوتك فتذكر ذنوبك فيسمع ذلك فتعيّر بها فالجهر بالدعاء منهيّ عنه والمبالغة في الإسرار غير جائزة والمستحبّ التوسّط وهو أن يسمع نفسه قال ابن مسعود : لم يخافت من أسمع أذنيه . وقيل : معنى * ( [ وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا ] ) * بأن تجهر بصلاة الليل وتخافت بصلاة النهار . وقيل : معناه لا تجهر جهرا يشتغل به من يصلَّي بقربك ولا تخافت بها حتّى لا تسمع نفسك . وقريب من هذا المعنى ما رواه أصحابنا عن أبي عبد اللَّه أنّه قال : الجهر بها رفع الصوت شديدا والمخافة ما لم تسمع أذنيك .
* ( [ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّه ِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ] ) * فيكون الولد هو الشيء المتولَّد من جزء من أجزاء شيء آخر فكلّ من له ولد فهو مركّب من الأجزاء والمركّب محدث - واللَّه سبحانه قديم - فلا يستحقّ الربوبيّة فهذا المنفيّ من صفة السلوب * ( [ وَلَمْ يَكُنْ لَه ُ شَرِيكٌ ] ) * بدليل التمانع وهذا أيضا من السلوب * ( [ وَلَمْ يَكُنْ لَه ُ وَلِيٌّ ] ) * وناصر لأنّه حينئذ محتاج إلى الغير ولا يستحقّ خصوص الحمد له * ( [ وَكَبِّرْه ُ ] ) * عن النقائص والقبائح فكبّره ونزّهه عنها تنزيها .
وهذه الآية ردّ على اليهود والنصارى حين قالوا : اتّخذ اللَّه ولدا . وعلى مشركي العرب حيث قالوا : لبّيك لا شريك لك إلَّا شريك هو لك . وعلى الصابئين والمجوس حين قالوا :
لولا أولياء اللَّه لذلّ اللَّه .
وفي كيفيّة تكبير اللَّه وتعظيمه اختلاف شديد بين الأشاعرة أي الجبريّة والمعتزلة أي العدليّة فقال : أهل الجبر والسنّة : إنّا نحمد اللَّه ونكبّره عن أن يجري في سلطانه شيء لا على وفق حكمه وإرادته فالكلّ واقع بقضاء اللَّه . وقالت المعتزلة : إنّا نكبّر اللَّه
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 278
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٢٧٨