تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
ليس في طاقة البشر أن يأتي بها فلا أقدر بنفسي أن آتي بها كما لم يقدر من كان قبلي من الرسل فلا تطالبوني بما لا يطالب به البشر . قوله : * ( [ وَما مَنَعَ النَّاسَ ] ) * بيان الآية أنّ القوم استبعدوا أن يكون الرسول من جنس البشر بل كانوا يقولون : إنّ اللَّه لو أرسل رسولا فينبغي أن يكون من الملائكة ، فأجاب عن قولهم : وما يمنعهم أن يؤمنوا بمن أرسلنا من البشر إذ معه الهدى والمعجزة ، والمعجزة سواء أظهرت على يد البشر أو على يد الملك لا بدّ وأن يصدّقوا ووجب الإقرار برسالته ؟ فهذا القول منهم تحكّم فاسد . والجواب الثاني عن استبعادهم وهو أنّ أهل الأرض لو كانوا ملائكة لكان من الواجب أن يكون رسولهم من الملائكة لأنّ الجنس إلى الجنس أميل وكذلك لو كانوا بشرا لكان رسولهم بشرا . ثمّ بعد نقض شبهاتهم هدّدهم سبحانه بقوله : [ قُلْ كَفى بِاللَّه ِ شَهِيداً ] في صدقي وادّعائي وحاكم بيني وبينكم * ( [ إِنَّه ُ كانَ بِعِبادِه ِ خَبِيراً بَصِيراً ] ) * أخبر وأبصر بظواهرهم وبواطنهم ويعلم أنّهم إنّما يوردون هذه الشبهات لمحض الحسد والعناد وحبّ الدنيا والاستنكاف عن الانقياد للحقّ . وقيل : معنى الآية أنّ العرب قالوا : كنّا ساكنين مطمئنّين فجاء محمّد فأزعجنا وشوّش علينا أمرنا . فبيّن سبحانه قل لهم : لو كانوا ملائكة مطمئنّين لأوجبت الحكمة إرسال الرسل إليهم فكذلك أهل الأرض لا بدّ وأن يرسل إليهم رسولا منهم للهداية وإنّهم أحوج إلى الرسول من الملائكة . وهاهنا سؤال : إذا جاز أن يكون الرسول إلى النبيّ ملكا ليس من جنسه فجاز أن يكون الرسول إلى الناس أيضا ملكا ليس من جنسهم . فالجواب أنّ النبيّ وصاحب الرسالة والمعجزة قد اختير من بينهم للنبوّة فصارت حاله مقاربة حال الملك وليس كذلك غيره من الناس ويجوز له أن يرى الملائكة كما يرى بعضهم بعضا بخلاف الامّة وله مزيّة على الامّة واختصاصات دون غيره . وأيضا فإنّ النبيّ بنفسه يحتاج إلى معجزة يعرف بها رسالة نفسه كما احتاجت الامّة إلى معجزة فجعل اللَّه موجب يقينه ومعجزة نفسه رؤيته للملك .