والنظم أنّه لمّا أمر سبحانه باتّباع الحقّ حذرا من وقوع الاختلاف ذكر في هذه الآية مفاسد الاختلاف الَّذي وقع لليهود في اختلاف السبت ، وآل أمرهم بأن مسخوا قردة وخنازير .
قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 125 إلى 128 ] ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِه ِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 125 ) وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِه ِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ( 126 ) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّه ِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 127 ) إِنَّ اللَّه َ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ( 128 )
المعنى : أمر اللَّه نبيّه بالدعوة إلى الخلق فقال : * ( [ ادْعُ ] ) * الخلق إلى دين اللَّه لأنّه الطريق إلى مرضاته * ( [ بِالْحِكْمَةِ ] ) * أي بالقرآن ، وسمّي القرآن حكمة لأنّه يتضمّن الأمر بالحسن والنهي عن القبيح ، وأصل الحكمة معناه المنع ، وإنّما قيل لها : حكمة ، لأنّها بمنزلة المانع عن الفساد وما لا ينبغي أن يختار ، وقوله : * ( [ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ] ) * أي الوعظ الحسن وتليين القلوب بما يوجب القبول والخشوع * ( [ وَجادِلْهُمْ ] ) * وناظرهم بالقرآن وبأحسن ما عندك من الحجج ، والكلمة الَّتي * ( [ هِيَ أَحْسَنُ ] ) * والتقدير : أن ادع الناس بأحد هذه الطرق الثلاث بالقرآن وبالموعظة الحسنة والمجادلة بالطريق الأحسن .
ولمّا كان سبحانه عالما بأنّ جواهر النفوس البشريّة مختلفة فبعضها مشرقة صافية قليل التعلَّق بالجسمانيّات كثيرة الانجذاب إلى عالم الروحانيّات وبعضها مظلمة كدرة قويّة التعلَّق بالجسمانيّات عديمة الالتفات إلى الروحانيّات ، ويمتنع زوالها فقال :
اشتغل أنت بالدعوة ولا تطمع في حصول الهداية للكلّ فإنّه تعالى أعلم بضلال النفوس الضالَّة الجاهلة ، وبإشراق النفوس المشرقة الصافية المهتدية .
قوله : * ( [ وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِه ِ ] ) * أي وإن أردتم معاقبة غيركم على وجه المكافاة ، فعاقبوا بقدر ما عوقبتم به ولا تزيدوا عليه .
قيل : إنّ المشركين لمّا قتلوا حمزة ومثّلوا بقتلى أحد وبحمزة عليه السّلام فشقّوا بطنه وأخذت هند بنت عتبة بن أبي سفيان كبد فجعلت تلوكه ، وجدعوا أنفه واذنه ، قال