الحقّ وخلع الأنداد ، ومتى قيل : إنّ نبيّنا كان أفضل منه فكيف أمر الفاضل باتّباع المفضول ؟ فالجواب أنّ إبراهيم سبق إلى اتّباع الحقّ لسبقة زمانه ولا يكون في سبق المفضول إلى متابعة الحقّ نقص الفاضل في اتّباعه ، ولمّا وصف سبحانه بأنّ إبراهيم * ( [ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ] ) * فيقتضي أن يكون محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله مأمورا بهذا الأمر وليس المعنى أنّه صلَّى اللَّه عليه وآله مأمور بجميع شريعة إبراهيم .
قوله : * ( [ إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيه ِ ] ) * وبيان الآية أنّ موسى عليه السّلام أمر اليهود أن يجعلوا في الأسبوع يوما واحدا للعبادة ، وأن يكون ذلك اليوم الجمعة ، فأبوا عليه وقالوا : نريد اليوم الَّذي فرغ اللَّه فيه من خلق السماوات والأرض وهو السبت ، إلَّا شرذمة منهم رضوا بالجمعة ، فأذن اللَّه لهم في السبب وابتلاهم بتحريم الصيد فيه ، ثمّ جاءهم عيسى بالجمعة أيضا فقالت النصارى : لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا ، واتّخذوا الأحد .
فالمراد من قوله : « إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيه ِ » على نبيّهم موسى حين أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت ، فاختلافهم في السبت كان اختلافا على نبيّهم موسى في ذلك اليوم .
وليس المعنى أنّ اليهود اختلفوا فيه ، فمنهم من قال بالسبت ، ومنهم من لم يقل به لأنّ اليهود اتّففوا على ذلك .
وفي العقل وجه يدلّ على أنّ الجمعة أفضل من السبت ، وذلك لأنّ أهل الملل اتّفقوا على أنّه تعالى خلق العالم في ستّة أيّام ، وبدأ بالخلق والتكوين من يوم الأحد وتمّ في يوم الجمعة وهو يوم الكمال والتمام ، وحصول الكمال يوجب الفرح الكامل والسرور العظيم ، فحينئذ جعل يوم الجمعة يوم العيد أولى من غيره .
وفي الآية قول آخر في معنى اختلافهم بأنّهم أي اليهود أحلَّوا الصيد في السبت تارة وحرّموه تارة وكان الواجب عليهم أن يتّفقوا في تحريمه على كلمة واحدة .
ثمّ قال سبحانه : * ( [ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيه ِ يَخْتَلِفُونَ ] ) * أي سيحكم للمحقّين بالثواب وللمبطلين بالعقاب .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 203
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٢٠٣