* ( كَفَرَ بِاللَّه ِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِه ِ » مثل قولهم : « من يأتينا فمن يحسن نكرمه » فجواب الأوّل محذوف .
وقوله : * ( [ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا ] ) * نزلت في عيّاش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل من الرضاعة وأبي جندل بن سهيل بن عمرو والوليد بن مغيرة وغيرهم من أهل مكّة فتنتهم المشركون فأعطوهم بعض ما أرادوا ، ثمّ إنّهم هاجروا بعد ذلك وجاهدوا ، فنزلت الآية .
وبالجملة فتلخيص المعنى أنّ من كفر باللَّه وارتدّ بعد الإسلام وشرح بالكفر صدرا ، أي فتحه ووسّعه لقبول الكفر .
فلو قيل : إنّ المكره ليس بكافر فكيف صحّ الاستثناء ؟ لأنّ المكره لمّا ظهر منه الكفر كرها والكافر طوعا فصحّ المشاكلة فصحّ الاستثناء .
وهؤلاء المكرهين قد عذّبوا وأخذوا والبسوا الدروع الحديد واجلسوا في الشمس ، فبلغ منهم الجهد بحرّ الحديد والشمس ، وأتاهم أبو جهل يشمتهم ويوبّخهم ويشتم سميّة ، ثمّ طعن الحربة في عضوها . وقيل : ما نالوا غير بلال فإنّهم جعلوا يعذّبونه فيقول : أحد أحد حتّى ملَّوا فكتفوه وجعلوا في عنقه حبلا من ليف ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به حتّى ملَّوه فتركوه ، قال عمّار : كلَّنا نكلَّم بالَّذي أرادوا غير بلال ، فهانت عليه نفسه . قال خباب : لقد أوقدوا لي نارا على ودك ظهري .
قوله : * ( [ إِلَّا مَنْ أُكْرِه َ ] ) * على وجه التقيّة خوف الإتلاف مكرها وقوله : * ( [ وَقَلْبُه ُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ ] ) * ساكن ثابت بالإيمان ، وهذا يدلّ على أنّ محلّ الإيمان هو القلب إمّا الاعتقاد وإمّا كلام النفس .
قوله : * ( [ ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الآخِرَةِ ] ) * والتلذّذ فيها والركون إليها طلبا لها دون الآخرة * ( [ وَأَنَّ اللَّه َ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ . أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّه ُ ] ) * وختم * ( [ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ ] ) * بسوء اختيارهم الكفر ، وأنّهم بمنزلة الغافلين .
ثمّ قال : * ( [ لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ ] ) * وهذا تأكيد لحكم الخسار عليهم لأنّهم المحرومون من الجنّة وعذّبوا بالنار . ثمّ قال سبحانه : * ( [ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ] ) * وعذّبوا في اللَّه فأعطوا بعض ما أرادوا الكفّار ليسلموا من شرّهم ، * ( [ ثُمَّ جاهَدُوا ] ) * مع النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله * ( [ وَصَبَرُوا ] ) * على الدين والجهاد * ( [ إِنَّ رَبَّكَ ) * من بعد ] تلك الفتنة
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 198
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١٩٨