أخرى من المشركين أي إنّا نعلم أنّ الكفّار يناقشون ويقولون : إنّ القرآن ليس من عند اللَّه وإنّما يعلَّم النبيّ إنسان .
واختلفوا في ذلك الإنسان قيل : هو عبد لبني عامر بن لؤي اسمه « يعيش » وكان يقرأ الكتب . وقيل : « عداس » . وقيل : كان بمكّة نصرانيّ أعجميّ اللسان اسمه بلقام يتكلَّم بالروميّة .
وقيل : سلمان الفارسيّ . وقال عبد اللَّه بن سلام : كان غلامان نصرانيّان من أهل عين التمر كانا يقرءان كتابا لهما بلسانهم وكان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ربّما مرّ بهما واستمع لقراءتهما فقالت قريش : إنّما يتعلَّم منهما .
فألزمهم اللَّه الحجّة وأكذبهم بهذه الآية بأن قال : * ( [ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْه ِ ] ) * ويضيفون إليه التعليم ويميلون وينسبون إليه القول * ( [ أَعْجَمِيٌّ ] ) * ولم يقل سبحانه : عجميّ لأنّ العجميّ هو المنسوب إلى العجم وإن كان فصيحا ، والأعجميّ هو الَّذي لا يفصح وإن كان عربيّا . فردّ سبحانه قولهم بأنّ لسان هذا البشر الَّذي يزعمون أنّه يعلمك أعجميّ لا يفصح ولا يتكلَّم صحيحا وفصيحا ، فكيف يتعلَّم منه من هو في أعلى طبقات الفصاحة والبيان ؟
* ( [ وَهذا ] ) * القرآن * ( [ لِسانٌ عَرَبِيٌّ ] ) * ظاهر وقد عجز جميعهم عن الإتيان بسورة وآية مثله ، وهو بلغتهم فكيف يأتي الأعجميّ الخارج عن الفصاحة بمثله ؟ ثمّ إنّ أمر التعليم والتعلَّم لا يتأتّى بجلسة ولا جلستين ولا يتمّ بالخفية بل التعليم والتعلَّم يحتاج إلى أزمنة متطاولة ، ولو كان كذلك لاشتهر فيما بين الخلق ، ثمّ الاحتجاج بهذه الكلمات الركيكة دلالة على نبوّته صلَّى اللَّه عليه وآله .
ثمّ أتبع بالوعيد لهم على ما قالوه بقوله : * ( [ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّه ِ ] ) * ومعجزات القرآن * ( [ لا يَهْدِيهِمُ اللَّه ُ ] ) * إلى طريق الجنّة بسبب عدم الإيمان والقابليّة ، والمراد بالهداية الهدى الَّذي يكون ثوابا على الإيمان .
ثمّ قال : * ( [ إِنَّما يَفْتَرِي ] ) * ويخترع * ( [ الْكَذِبَ الَّذِينَ ] ) * لا يصدّقون * ( [ بِآياتِ اللَّه ِ ] ) * دون من آمن لأنّ الإيمان يحجز عن الكذب * ( [ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ ] ) * لا أنت يا محمّد ، فحصر سبحانه فيهم الكذب بمعنى أنّ الكذب لازم لهم ومن عادتهم وهذا كقولك للكاذب :
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 196
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١٩٦