وهاهنا بيان وهو أنّ من الناس من ذهب أنّ لفظ المشترك يجوز استعماله في مفهوميه معا فهذا القائل قال : دلَّت الآية على أنّ لفظ النكاح حقيقة في الوطء وفي العقد معا فكان قوله :
« وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ » نهيا عن الوطء وعن العقد معا حملا للَّفظ على كلا مفهوميه .
وأمّا من قال بأنّ لفظ المشترك لا يجوز استعماله في مفهوميه معا قال : إنّ لفظ النكاح قد استعمل في القرآن في الوطء تارة وفي العقد أخرى ، قالوا : والقول بالاشتراك والمجاز خلاف الأصل ولا بدّ من جعل حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو معنى الضمّ حتّى يندفع الاشتراك والمجاز وإذا كان كذلك كان قوله : « وَلا تَنْكِحُوا » نهيا عن القدر المشترك بين هذين القسمين والنهي عن القدر المشترك بين القسمين يكون نهيا عن كلّ واحد من القسمين لا محالة فإنّ النهي عن التزويج يكون نهيا عن العقد وعن الوطء معا ، انتهى .
قوله تعالى : * ( [ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ ] ) * قيل : إنّ المعنى هذا الاستثناء على طريق المعنى أي لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلَّا ما قد سلف قبل نزول التحريم فإنّه معفوّ عنه . وقيل الاستثناء منقطع لأنّه لا يجوز استثناء الماضي من المستقبل فالمعنى : لكن ما قد سلف فإنّ اللَّه يجاوز عنه ، واستثنى ما قد مضى ليعلم أنّه لم يكن مباحا . وقيل : « إلَّا » في الآية بمعنى « بعد » كقوله : « لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولى » « 1 » أي بعد الموتة الأولى .
* ( [ إِنَّه ُ كانَ فاحِشَةً ] ) * الضمير في « إنّه » قيل : راجع إلى هذا النكاح قبل النهي لأنّ هذا الَّذي حرّمه عليهم كان منكرا لم يزل في قلوبهم ممقوتا وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه : مقتى ، وذلك لأنّ زوجة الأب تشبه الأمّ وكان نكاح الأمّهات من أقبح الأشياء عند العرب فبيّن اللَّه أنّ هذا النكاح أبدا كان ممقوتا وقبيحا . والقول الثاني :
أنّ الضمير راجع إلى هذا النكاح بعد النهي فبيّن سبحانه أنّه فاحشة وزنى في الإسلام .
* ( [ وَمَقْتاً ] ) * عند اللَّه ، والمقت عبارة عن بغض مقرون باستحقار حصل بسبب أمر قبيح ارتكبه صاحبه * ( [ وَساءَ سَبِيلًا ] ) * و « ساء » فعل لازم وفاعله مضمر وسبيلا منصوب تفسير لذلك الفاعل .
ومراتب القبح ثلاثة في العقول وفي الشرائع وفي العادات فقوله : « إِنَّه ُ كانَ فاحِشَةً »
هامش
( 1 ) الدخان : 56 .