وذكر عن بعض السلف أنّه قال : نزل جبرائيل بالمسح والسنّة الغسل ، قال : والخفض على الجوار لا يجوز في كتاب اللَّه تعالى ، ولكنّ المسح على هذا التحديد في القرآن كالغسل .
وقال الأخفش : هو معطوف على « الرؤوس » في اللفظ مقطوع عنه في المعنى كقول الشاعر :
« علَّفتها تبنا وماء باردا » المعنى : وسقيتها ماء باردا .
وأمّا القراءة بالنصب فقالوا فيه : إنّه معطوف على « أَيْدِيَكُمْ » لأنّا رأينا فقهاء الأمصار عملوا على الغسل دون المسح ولما روي أنّ النبيّ صلى اللَّه عليه وآله رأى قوما توضّؤوا وأعقابهم تلوح ، فقال : ويل للعراقيب من النار ، ذكره أبو عليّ الفارسيّ .
وأمّا من قال : بوجوب مسح الرجلين حمل الجرّ والنصب في « وَأَرْجُلَكُمْ » على ظاهره من غير تعسّف فالجرّ للعطف على الرؤوس والنصب للعطف على موضع الجار والمجرور وأمثال ذلك في كلام العرب أكثر من أن تحصى قالوا : « ليس بقائم ولا ذاهبا » وأنشد :
معاوي إنّنا بشر فأسجح
فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وقال تأبّط شرّا :
هل أنت باعث دينار لحاجتنا
أو عبد رب أخا عوف بن مخراق
فعطف بعبد على موضع « دينار » فإنّه منصوب على المعنى .
وأبعد من ذلك قول الشاعر :
جئني بمثل بني بدر لقومهم
أو مثل إخوة منظور بن سيّار
فإنّه لمّا كان معنى جئني هات أو احضر لي مثلهم عطف بالنصب على المعنى .
وأجابوا الأوّلين عمّا ذكروه في وجه الجرّ والنصب بأجوبة نوردها على وجه الإيجاز ، قالوا : ما ذكروه أوّلا من أنّ المراد بالمسح الغسل فباطل من وجوه :
أحدها أنّ فائدة اللفظين في اللغة والشرع مختلفة في المعنى وقد فرّق اللَّه سبحانه بين الأعضاء الممسوحة ، فكيف يكون معنى المسح والغسل واحدا ؟