هؤلاء المستهزئين الكافرين * ( [ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِه ِ ] ) * أي حتّى يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بالدين ، وقيل : حتّى يرجعوا إلى الإيمان ويتركوا الكفر والاستهزاء . والمنزل في الكتاب هو قوله سبحانه في سورة الأنعام : « وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِه ِ » « 1 » .
وفي هذا دلالة على تحريم مجالسة الكفّار عند كفرهم بآيات اللَّه واستهزائهم بها وعلى إباحة مجالستهم عند خوضهم في حديث غيره .
وروي عن الحسن أنّ إباحة القعود مع الكفّار عند خوضهم في حديث آخر غير كفرهم واستهزائهم بالقرآن منسوخ بقوله تعالى : « فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » « 2 » .
* ( [ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ] ) * يعني إنّكم إذا جالستموهم على الخوض في كتاب اللَّه والهزء به فأنتم مثلهم ، وإنّما حكم بأنّهم مثلهم لأنّهم لم ينكروا عليهم مع قدرتهم على الإنكار ولم يظهروا الكراهة لذلك ، ومتى كانوا راضين بالكفر كانوا كفّارا لأنّ الرضا بالكفر كفار .
وفي الآية دلالة على وجوب إنكار المنكر مع القدرة وزوال العذر ، وأنّ من ترك ذلك مع القدرة عليه فهو مخطئ آثم .
وفيها أيضا دلالة على تحريم مجالسة الفسّاق والمبتدعين من أيّ جنس كانوا وبه قال جماعة من أهل التفسير ، وذهب إليه عبد اللَّه بن مسعود وإبراهيم وأبو وائل ، قال إبراهيم :
من ذلك إذا تكلَّم الرجل في مجلس يكذب فيضحك منه جلساؤه فيسخط اللَّه عليهم ، وبه قال عمر بن عبد العزيز ، وروي أنّه ضرب رجلا صائما كان قاعدا مع قوم يشربون الخمر .
وروى العيّاشيّ بإسناده عن عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام في تفسير هذه الآية قال : إذا سمعت الرجل يجحد الحقّ ويكذب به ويقع في أهله فقم من عنده ولا تقاعده . وروي عن ابن عبّاس أنّه قال : أمر اللَّه تعالى في هذه الآية بالاتّفاق ونهى عن الاختلافات والفرقة والمراء والخصومة .
هامش
( 1 ) الآية : 68 .
( 2 ) الانعام : 68 .