عن خصم إلَّا بعد أن تبيّن وجه الحقّ فيه ، جلّ نبيّ اللَّه عن جميع المعاصي والقبائح ، وقيل : إنّه لم يخاصم عن الخصم وإنّما همّ بذلك فعاتبه اللَّه عليه .
النظم : وجه اتّصال الآية بما قبلها أنّه لمّا تقدّم ذكر المنافقين والكافرين والأمر بمجانبتهم عقّب ذلك بذكر الخائنين والأمر باجتناب الدفع عنهم . وقيل : إنّه تعالى لمّا بيّن الأحكام والشرائع في السورة عقّبها بأنّ جميع ذلك انزل بالحقّ .
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 107 إلى 109 ] وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّه َ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً ( 107 ) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّه ِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّه ُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ( 108 ) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّه َ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ( 109 )
النزول : نزلت الآيات في القصّة الَّتي ذكرناها قبل .
المعنى : ثمّ نهى تعالى عن المجادلة والدفع عن أهل الخيانة مؤكّدا لمّا تقدّم فقال :
[ وَلا تُجادِلْ ] قيل : الخطاب للنبيّ صلى اللَّه عليه وآله حين همّ أن يبرئ أبا طعمة لمّا أتاه قوم ينفون عنه السرقة . وقيل : الخطاب له والمراد قومه . وقيل : تقديره : ولا تجادل أيّها الإنسان [ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ ] أي يخونون أنفسهم ويظلمونها أراد من سرق الدرع ومن شاركه في السرقة والخيانة ، وقيل : إنّه أراد به قومه الَّذين مشوا معه إلى النبيّ وشهدوا له بالبراءة عمّا نسب إليه من السرقة . وقيل : أراد به السارق وقومه ومن هو في معناهم ، وإنّما قال : « يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ » وإن خانوا غيرهم لأنّ ضرر خيانتهم كأنّه راجع إليهم لا حق بهم كما تقول لمن ظلم غيره : ما ظلمت إلَّا نفسك ، وكقوله تعالى : « إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ » « 1 » .
[ إِنَّ اللَّه َ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً ] هو فعّال من الخيانة أي من كان كثير الخيانة وقد ألفها واعتادها ، وقد يطلق الخوّان على الخائن في شيء واحد إذا عظمت تلك الخيانة ،
و
هامش
( 1 ) الإسراء : 7 .