« إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْه ُ ، الآية » « 1 » « إِنَّ اللَّه َ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ » « 2 » « وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَه ُ » « 3 » « إِنَّ اللَّه َ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ِ » في الموضعين « ما يَفْعَلُ اللَّه ُ بِعَذابِكُمْ » « 4 » وبيان وجه الاستدلال بهذه الآية على أنّ اللَّه يغفر الذنوب من غير توبة أنّه تعالى نفى غفران الشرك ولم ينف غفرانه على كلّ حال بل نفى أن يغفر من غير توبة لأنّ الامّة أجمعت على أنّ اللَّه يغفره بالتوبة وإن كان الغفران مع التوبة عند المعتزلة على وجه الوجوب وعندنا على وجه التفضّل فعلى هذا يجب أن يكون المراد بقوله : « وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ » أنّه يغفر مادون الشرك من الذنوب بغير توبة لمن يشاء من المذنبين غير الكافرين لأنّ موضع الكلام الَّذي يدخله النفي والإثبات وينضمّ إليه « إلَّا » و « دون » أن يخالف الثاني .
ألا ترى أنّه لا يحسن أن يقول الرجل : أنا لا أدخل على الأمير إلَّا إذا دعاني وأدخل على من دونه إذا دعاني . وإنّما يكون الكلام مفيدا إذا قال : وأدخل على من دونه وإن لم يدعني .
ولا معنى لقول من يقول من المعتزلة : إنّ في حمل الآية على ظاهرها وإدخال مادون الشرك في المشيئة إغراء على المعصية لأنّ الإغراء إنّما يحصل بالقطع على الغفران فأمّا إذا كان الغفران معلَّقا بالمشيئة فلا إغراء فيه بل يكون العبد واقعا بين الخوف والرجاء .
ومن قال : إنّ في غفران ذنوب البعض دون البعض ميلا ومحاباة ولا يجوز الميل والمحاباة على اللَّه فجوابه أنّ اللَّه متفضّل بالغفران وللمتفضّل أن يتفضّل على قوم دون قوم وهو عادل في تعذيب من يعذّبه وليس يمنع العقل ولا الشرع عن الفضل .
ومن قال : إنّ لفظة « ما دُونَ ذلِكَ » وإن كانت عامّة في الذنوب الَّتي هي دون الشرك فإنّما نخصّها ونحملها على الصغائر وما يقع منه التوبة لأجل عموم ظاهر آيات الوعيد قال الطبرسيّ : فجوابه أنّا نعكس عليكم ذلك فنقول : بل قد خصّص ظاهر تلك الآيات لعموم هذه الآية وهذا أولى لما روي عن بعض السلف أنّه قال : إنّ هذه الآية استثناء على جميع القرآن يريد به ، وأيضا فإنّ الصغائر يقع عندكم محبطة ولا يجوز المؤاخذة بها
هامش
( 1 ) السورة : 30 .
( 2 ) السورة : 109 .
( 3 ) السورة : 39 .
( 4 ) السورة : 147 .