تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
قلت : أنا عمرو بن معديكرب ، فقال : يا أبا ثور ما أنصفتني ، أنت على ظهر فرسك ، وأنا في بئر ، فاعطني عهدا أنك لا تقتلني حتى أركب فرسي وآخذ حذري ، فأعطيته عهدا ألا أقتله حتى يركب فرسه ويأخذ حذره ، فخرج من الموضع الَّذي كان فيه ، ثم اجتبى بسيفه وجلس ، فقلت : ما / هذا ؟ قال : ما أنا براكب فرسي ولا بمقاتلك ، فهذا يا أمير المؤمنين أحيل من رأيت . ثم اني خرجت يوما آخر حتى انتهيت إلى موضع كنت أقطع فيه ، فلم أر أحدا فأجريت فرسي يمينا وشمالا ، فإذا أنا بفارس ، فلما دنا مني إذا هو غلام وجهه من أجمل من رأيت من الفتيان وأحسنهم ، وإذا هو قد أقبل من نحو اليمامة ، فلما قرب مني سلم ، فرددت عليه وقلت : من الفتى ؟ فقال : الحارث بن سعد فارس الشهباء ، فقلت له : خذ حذرك فإنّي قاتلك ، فمضى ولم يلتفت إليّ فقلت له : يا فتى خذ حذرك فإنّي قاتلك . قال : الويل لك ، من أنت ؟ قلت : أنا عمرو بن معديكرب ، قال : الحقير الذليل ، والله ما يمنعني من قتلك إلا استصغارك ، قال : فتصاغرت نفسي إليّ وعظم عندي ما استقبلني به ، فقلت له : خذ حذرك ، فوالله لا ينصرف إلا أحدنا ، قال : أغرب ثكلتك أمك فإنّي من أهل بيت ما نكلنا عن فارس قط ، فقلت : هو الَّذي نسمع ، فاختر لنفسك ، فقال : إما أن تطرد لي أو أطرد لك ، فاغتممتها منه فقلت : أطرد لي ، فأطرد وحملت عليه حتى إذا قلت إني قد وضعت الرمح بين كتفيه إذا هو قد صار حزاما لفرسه ثم اتبعني فقرع بالقناة رأسي وقال : يا عمرو خذها إليك واحدة ، فوالله لولا أني أكره قتل مثلك لقتلتك ، فتصاغرت إلي نفسي وكان الموت والله يا أمير المؤمنين أحب إلى مما رأيت ، فقلت : والله لا ينصرف إلا أحدنا ، فقال : اختر لنفسك ، فقلت : أطرد لي فأطرد ، فظننت أني قد تمكنت منه ، فاتبعته حتى إذا ظننت أني قد وضعت الرمح بين كتفيه ، فإذا هو قد صار لببا لفرسه ، ثم اتبعني فقرع رأسي بالقناة وقال : يا عمرو خذها إليك اثنتين / فتصاغرت إلي نفسي فقلت : والله لا ينصرف إلا أحدنا ، فقال : اختر لنفسك ، فقلت : أطرد لي ، فأطرد حتى إذا قلت وضعت الرمح بين كتفيه ، وثبت عن فرسه ، فإذا هو على الأرض فأخطأته ومضيت فاستوى على فرسه فاتبعني فقرع رأسي بالقناة ، وقال : يا عمرو خذها إليك ثلاثا ، ولولا أني أكره قتل مثلك لقتلتك ، فقلت له : اقتلني أحب إليّ مما أرى بنفسي وأن يسمع فتيان العرب هذا ، فقال لي : يا عمرو ، إنما العفو ثلاث مرات ،