الشيطان منعها فمنعوها ، لموضع جهلهم بحقيقة الإمام وما خصه الله تعالى به من
الكرامة حتى صار أهلا للإمامة ( 1 ) ، فخفي عليهم معرفة حقيقته ، فوضعوا الحق
هامش
1 - روى الصدوق ( رحمه الله ) في عيون أخبار الرضا : 1 / 171 - 175 حديثا طويلا في وصف الإمام
والإمامة عن الرضا ( عليه السلام ) ، ونحن نورد هنا قطعا منه لمناسبة المقام : أسند ( رحمه الله ) إلى عبد العزيز بن
مسلم قال :
كنا في أيام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) بمرو ، فاجتمعنا في مسجد جامعها في يوم الجمعة في
بدء مقدمنا ، فأدار الناس أمر الإمامة وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها ، فدخلت على سيدي
ومولاي الرضا ( عليه السلام ) فأعلمته ما خاض الناس فيه .
فتبسم ( عليه السلام ) ثم قال : يا عبد العزيز جهل القوم وخدعوا عن أديانهم ، إن الله تبارك وتعالى
لم يقبض نبيه ( صلى الله عليه وآله ) حتى أكمل له الدين وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كل شئ ، بين فيه الحلال
والحرام والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج إليه كملا فقال عز وجل : * ( ما فرطنا في الكتاب
من شئ ) * ، وأنزل في حجة الوداع ، وهي آخر عمره ( صلى الله عليه وآله ) : * ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت
عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) * ، وأمر الإمامة من تمام الدين ، ولم يمض ( صلى الله عليه وآله ) حتى
بين لأمته معالم دينهم وأوضح لهم سبيله ، وتركهم على قصد سبيل الحق ، وأقام لهم عليا ( عليه السلام )
علما وإماما ، وما ترك لهم شيئا تحتاج إليه الأمة إلا بينه .
فمن زعم أن الله عز وجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله عز وجل ، ومن رد كتاب الله تعالى
فهو كافر . هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة فيجوز فيها اختيارهم ؟
إن الإمامة أجل قدرا وأعظم شأنا وأعلى مكانا وأمنع جانبا وأبعد غورا من أن يبلغها
الناس بعقولهم ، أو ينالوها بآرائهم ، أو يقيموا إماما باختيارهم .
إن الإمامة خص الله بها إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) بعد النبوة والخلة ، مرتبة ثالثة وفضيلة شرفه
بها وأشاد بها ذكره ، فقال عز وجل : * ( إني جاعلك للناس إماما ) * . فقال الخليل ( عليه السلام ) سرورا بها :
* ( ومن ذريتي ) * . قال الله عز وجل : * ( لا ينال عهدي الظالمين ) * . فأبطلت هذه الآية إمامة كل
ظالم إلى يوم القيامة . . . .
إن الإمامة هي منزلة الأنبياء ، وإرث الأوصياء .
إن الإمامة خلافة الله عز وجل وخلافة الرسول ، ومقام أمير المؤمنين ، وميراث الحسن
والحسين ( عليهما السلام ) .
إن الإمامة زمام الدين ، ونظام المسلمين ، وصلاح الدنيا ، وعز المؤمنين .
إن الإمامة أس الإسلام النامي ، وفرعه السامي .
بالإمام تقام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد ، وتوفير الفئ والصدقات ،
وإمضاء الحدود والأحكام ، ومنع الثغور والأطراف .
الإمام يحلل حلال الله ، ويحرم حرام الله ، ويقيم حدود الله ، ويذب عن دين الله ، ويدعو
إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة .
الإمام كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم ، وهي بالأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار .
الإمام : البدر المنير ، والسراج الزاهر ، والنور الساطع ، والنجم الهادي في غياهب الدجى
والبيد القفار ولجج البحار .
الإمام : الماء العذب على الظماء ، والدال على الهدى ، والمنجي من الردى ، والإمام النار على
البقاع الحار لمن اصطلى به ، والدليل في المسالك ، من فارقه فهالك .
الإمام : السحاب الماطر ، والغيث الهاطل ، والشمس المضيئة ، والأرض البسيطة ، والعين
الغزيرة ، والغدير ، والروضة .
الإمام : الأنيس الرفيق ، والوالد الشفيق ، والأخ الشقيق ، ومفزع العباد في الداهية .
الإمام أمين الله في أرضه ، وحجته على عباده ، وخليفته في بلاده ، الداعي إلى الله ، والذاب
عن حرم الله .
الإمام : المطهر من الذنوب ، المبرأ من العيوب ، مخصوص بالعلم ، مرسوم بالحلم ، نظام الدين ،
وعز المسلمين ، وغيظ المنافقين ، وبوار الكافرين .
الإمام واحد دهره ، لا يدانيه أحد ، ولا يعادله عالم ، ولا يوجد له بدل ، ولا له مثل ولا نظير ،
مخصوص بالفعل كله من غير طلب منه له ولا اكتساب ، بل اختصاص من المفضل الوهاب ، فمن
ذا الذي يبلغ معرفة الإمام ويمكنه اختياره ؟ . . . .
والإمام : عالم لا يجهل ، راع لا ينكل ، معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعلم
والعبادة ، مخصوص بدعوة الرسول ، وهو نسل المطهرة البتول ، لا مغمز فيه في نسب ، ولا يدانيه
ذو حسب ، فالنسب من قريش ، والذروة من هاشم ، والعترة من آل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، والرضا من
الله شرف الأشراف ، والفرع من عبد مناف ، نامي العلم ، كامل الحلم ، مضطلع بالإمامة ، عالم
بالسياسة ، مفروض الطاعة ، قائم بأمر الله عز وجل ، ناصح لعباد الله ، حافظ لدين الله .
إن الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم يوفقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما
لا يؤتيه غيرهم ، فيكون علمهم فوق كل علم أهل زمانهم في قوله تعالى * ( فمن يهدي إلى
الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون ) * وقوله عز وجل : * ( ومن
يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) * - الحديث .