المرحلةُ الأُولى : الترجيحُ الدلاليّ ، اعتماداً على الشُهْرة الفتوائيّة :
يهتم السيّد اهتماماً بالغاً بأمر موافقة الرواية لما اشتهر بين الأصحاب من الفتوى ويُعبرُ عن ذلك بالشُهْرة الفتوائيّة ، وبعمل الأصحاب ، ويُعبرُ عن المخالفة بالشُذوذ ، وبإعراض الأصحاب .
وبعد استقرار التعارض - بعدم إمكان الجمع بين المتعارضين حتّى عدم الحكم بالتخيير بينهما - يعتمدُ على « الشُهْرة الفتوائيّة » التي عبّرَ عنها بأنّها أوّلُ المرجحات ( 77 ) على ما يُستفاد من مقبولة عُمَر بن حَنْظَلة ( 78 ) .
وعلّلَ ذلك في بعض تقريراته ، بقوله :
أوّلاً : بانّ الأخبار الشاذّة ، التي أعرضَ عنها الأصحابُ ، ساقطة عن الحجيّة ، وإن لم يكنْ لها معارض ، فكيفَ في صورة المعارضة ؟ إذْ عُمدة الدليل على حجيّة الأخبار « بناءُ العقلاء على العمل بها » ، ولا شكَ في انّ الخبرَ الواصلَ إلى عَبيد المولى إذا كان ممّا أعرضَ عنه بِطانةُ المولى وخواصّه العارفون بمرامه ، لا يَعتني به العبيدُ مطلقاً ، وليسَ بناؤهم على العمل به ألبتّةَ ، وإن كان في غاية الصحّة سنداً ، بل كلَما ازدادَ صحّةً ازدادَ ضعفاً .
ثانياً : لو سُلم حجيّةُ الأخبار الشاذّة في أنفسها ، فلا إشكالَ في سقوطها
عن الحجيّة إذا عارضتها اخبار أُخر اشتهرَ بينَ الأصحاب العملُ بها والإفتاءُ
على وِفقها ، لما وردَ في باب الخبرين المتعارضين من وجوب الأخذ بأشهرهما ، وقد بيّنا انّ المرادَ الشُهْرة في مقام العمل والإفتاء ، لا اشتهار
الرواية فقط ( 79 ) .
وما أروعَ قولَه عن الشاذّ : « بل كلَما ازدادَ صحّةً ازدادَ ضعفاً » حيث انّ صحّةَ
الشاذّ ، دليل على ثبوت شُذوذه بالسند الصحيح ، فكلَما كان أصحَ كانَ شذوذه آكدَ .
وهذه نُكْتة ظريفة .
هامش
( 77 ) نهاية التقرير ( ج 1 ، ص 244 ) وانظر بحث « حجيّة الشُهْرة » في الملحق الثاني لكتابنا هذا .
( 78 ) نفس المصدر ( ج 1 ، ص 239 ) .
( 79 ) البدر الزاهر ( ص 244 - 245 ) وكرّره في ( ص 273 ) .