ولا نافع ولا ضار إلاّ الله ، ولا مدبر إلاّ الله ، ولا مشرِّع إلاّ الله ، فإنّ هذه الحقيقة الثانية تقول : « ما دام أنّه قد تقرر وثبت في الحقيقة الأُولى أنّه لا مشرِّع إلاّ الله ؛ فيجب إذن أن لا تستمد الشرائع والأحكام إلاّ من القرآن الكريم والسنّة الشريفة » .
ومن ثَمّ فحين يراجع الإنسان كتب الشرائع والأحكام الفقهية في كتب الاثني عشرية ، سيجد أنّها مستخرجة ومنبثقة ومستنبطة من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة ، وأنّ منهج كتب الاثني عشرية في عرض الشرائع والأحكام لا يخالف منهج القرآن والسنّة في عرض الشرائع والأحكام ، ومن ثَمّ رتبوا الشرائع والأحكام بنفس الصورة التي عرضها القرآن ، وتعاملوا بصورة مباشرة مع النصوص القرآنية .
وطريقتهم - في كتبهم الفقهية - أنْ يشرعوا بالبحث عن أحكام الصلاة ، ثُمّ أحكام الصيام ، ثم أحكام الزكاة والخمس ، ثم أحكام الحج .
وحين رأى الاثنا عشرية أنّ الغلاة انحرفوا في تأويل الشرائع والأحكام عن منهج القرآن والسنّة ، وحرّفوا معانيها إلى معانٍ باطنية غريبة عن معانيها الشرعية واللغوية مما يقتضي تعطيلها ؛ كفرّوهم وتبرّأوا منهم .
ويندرُ أن تجد كتاباً من كتب الاثني عشرية في أُصول الفقه لا يهاجم تأويلات الباطنية الغلاة - لعنهم الله - ، كما أنّ كتب الاثني عشرية أجمعت على أنّ غرض الغلاة من التأويلات الباطنية للنصوص القرآنية هو استباحة الشرائع والأحكام المحرمة ، ومن ثَمّ كفّرت كتب الاثني عشرية الذين استباحوا ترك الشرائع والأحكام ، بحجة أنّ ولاية الأئمة تغني عن الالتزام بالشرائع والأحكام .
وفي هذه الحقيقة سوف نستعرض - أيضاً - بعض الأحكام المعروضة في كتب الاثني عشرية التي يستنكرها الذين لم يراجعوا الأدلة القرآنية والحديثية التي تثبتها ( 1 ) ، وسوف نستعرض مشكلة الذين يخلطون بين موقف الاثني عشرية من الشرائع والأحكام وموقف الغلاة منها .
هامش
( 1 ) مثل : حكم المتعة ، وحكم السجود على التربة ، وحكم مسح القدمين في الوضوء . ( يراجع حول هذه القضايا الفصل الأول من الباب الثاني عند الحديث عن هذه الحقيقة ؛ حقيقة الشرائع والأحكام في المذهب الاثني عشري ) . وسوف نتناول هذه الحقيقة بصورة مفصّلة في الفصل الأول من الباب الثاني من كتاب ( رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية ) .