الطبيبُ إلى المريض الذي يحملُ له المحبّة والمودّة ، فهو يبذل كل ما لديه من جهدٍ من أجل أنْ يجلب له الدواء ويزيل عنه الداء . ولا شك أنّ الطبيب الذي يسيء الظن بمريضه لا يستطيع معاينة مريضه ومعالجته .
إنّ أتباع هذه الجماعة البريئة يحسبون أنّ كل المذاهب الكلامية الإسلامية من أهل السنّة ومن الاثني عشرية قد أصبحوا من الغلاة ، ومن ثَّم فهم يرون أنّ العالم الإسلامي قد امتلأ بالغلاة ، فلا توجد مدينة أو قرية من مدن وقرى المسلمين إلاّ وفيها غلاة ! وهم لا يعرفون أنّهم يعيشون في حالة نفسية جعلتهم يتوّهمون أن المسلمين من أهل السنّة ومن الاثني عشرية أصبحوا من الغلاة .
لقد عشت هذه الحالة النفسية فترة زمنية من حياتي ، وكنت أحسب أنّ المسلمين من أهل السنّة ومن الاثني عشرية قد صاروا من فرق الغلاة ، وكنت أعتقد أنّه لم تسلم من الغلو إلاّ الجماعة ( 1 ) ( الوهابية ) الناجية . ولم يكن يخطر ببالي أنني أعيش في حالة نفسية تولّد منها الشعور بأنّ المسلمين أصبحوا غلاة ، ومن ثَمّ قررت في بداية حياتي أنْ أخوض معركة مع الذين كنت أحسبهم من الغلاة ، وفي هذه الفترة من حياتي قررت أن أبدأ بمعالجة الغلو عند الاثني عشرية ، ثم أشرع في معالجة الغلو عند جمهور أهل السنّة من الأشاعرة والماتريدية . وبالفعل حسبت نفسي طبيباً يقفُ أمام رجل - أعني المذهب الاثني عشري - ، وبعد أن كشفت على هذا الرجل خُيّل إليّ أنّه مصابٌ بمرضٍ خطير أطلق عليه الأطباء مرض ( الغلو ) .
هامش
( 1 ) من أجل تحقيق فكرة التقريب بين الاثني عشرية وبين الوهابية - التي هي الغرض من تأليف هذا الكتاب - لا بد من مراعاة قضية عدم استخدام الكلمة التي تتعارض مع هذه الفكرة ، ومن هنا عنى كاتب هذه الدراسة أن يطلق على الوهابية كلمة ( جماعة ) لا كلمة ( فرقة ) ؛ لأنني رأيت أن كلمة ( فرقة ) مرفوضة عند الاثني عشريين وعند الوهابيين ، ولا يمكن أن تتحقق قضية التقريب إلا إذا تعاملنا وفقاً للآداب الإسلامية المقدسة عند الاثني عشرية وعند الوهابية .