تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهابين ( محاولة للتقريب بين الإثني عشرية والوهابية ) — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
بحالة نفسية ؛ فقرر أن يكشف على الطبيب - على الرغم أنه جاء من أجل المعالجة عند هذا الطبيب - ، وعند الكشف عليه استيقن أنّ الطبيب كان مصاباً بمرض السرطان في رأسه ؛ فلذلك تصور الطبيب أنّ البشرية كلّها قد أُصيبت بمرض السرطان . وهكذا ؛ انعكست المعادلة فأصبح الطبيب يتعالج عند هذا الرجل الذي جاء من أجل أن يكشف عليه هذا الطبيب - بعد أن كان يعالجه - ، وتبين أنّ الطبيب هو المريض ، وأنّ هذا الرجل - الذي حَسِبَ الطبيب أنّه مريض - كان سليماً سلامةً تامة . * * * والشيء الجديد في هذا الكتاب هو أنّ الدراسات السابقة كانت تدافع عن الأنا ( الاثني عشرية ) ضد تهمة الآخر ( الوهابية ) ؛ لأنّها تتهم الأنا ( الاثني عشرية ) بأنها مصابة ب‍ ( مشكلة الغلو ) ، لكن هذا الكتاب عكس المعادلة وأثبت أنّ الآخر ( الوهابية ) مصابة ب‍ ( مشكلة الخلط الأكبر لا الأصغر ) فحسب بين الاثني عشرية وفرق الغلاة ، وتطالبه - أعني تطالب الوهابية - بأن يدفع عن نفسه هذه الحقيقة ( حقيقة الخلط الأكبر لا الأصغر ) ( 1 ) ، فحسب بعد أن ظل يتهم الأنا ( الاثني عشرية ) منذ ظهور الآخر ( الوهابية ) في القرن الثامن عشر .
هامش
( 1 ) ونحن نستخدم كلمة الخلط في هذا الكتاب بمعنى خلط الشيء بالشيء بصورة كبيرة وكاملة ، بحيث يحسب الرائي انّ هذين الشيئين المختلفين متساويان ، من قبيل قوله تعالى : ( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا . . . ) التوبة 102 . ومعنى كلمة ( خلطوا ) في الآية الكريمة - كما ذكر المفسرون - : أي مزجوا وضمّوا . ووردت في القرآن الكريم كلمة أخرى قريبةٌ من حيث المعنى لكلمة ( الخلط ) وهي : كلمة ( اللبس ) ، كما في قوله تعالى : ( وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ . . . ) البقرة 42 . ووردت كلمة ( الخلط ) في السنّة النبوية في موارد عديدة ، قال الإمام مجد الدين ابن الأثير - رحمه الله - ( ت 606 ) : « خلط : في حديث الزكاة ( لا خِلاط ولا ورَاط » ، الخِلاط : مَصْدَر خَالَطه يُخالطُه مُخالَطة وخِلاطاً ، والمراد به أن يخْلط الرجل إبله بإبل غيره . . ) . النهاية في غريب الحديث والأثر ( ج 2 ، ص 62 ) . ووردت كلمة ( الخلط ) في الروايات المنقولة عن الأئمة الاثني عشر الذين أشار إليهم البخاري ومسلم في صحيحيهما بنفس هذا المعنى ، قال الإمام المحدِّث الطريحي ( ت 1085 ه - ) في تفسيره لمعاني كلمة ( الخلط ) في روايات الأئمة الاثني عشر : ( الاختلاطُ بالشيء : الامتزاج به ، سواء كان مع التمييز وعدمه ) . مجمع البحرين ( ج 4 ، ص 246 ) . وبإمكاننا هنا أن نقسم الخلط إلى قسمين : القسم الأول : ( الخلط الأصغر ) ، وهذا النوع من الخلط موجود عند بعض علماء المذاهب الإسلامية ، ولا يترتب على هذا النوع من الخلط نتائج خطيرة ؛ لأنّه خلط في المسائل الفرعية . القسم الثاني : ( الخلط الأكبر ) ، وهذا النوع من الخلط موجود عند الوهابية ، وهو خلطٌ خطير وكبير ؛ لأنّ من مظاهره السقوط في هاوية التكفير الأكبر للمسلمين . وهو خلط في مسائل أُصول الدين لا فروع الدين . وأبرز مورد لهذا النوع من الخلط ؛ الخلط الذي وقع فيه الخوارج حين خلطوا بين معنى ( الحكم ) في قوله تعالى ( إِن الحُكْمُ إلاّ للهِ . . . ) الانعام : 57 وبين معنى ( التحكيم ) في قوله تعالى : ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا ) النساء 35 . ونتيجة لهذا الخلط الأكبر - عند الخوارج - بين مفهوم ومعنى ( الحكم ) في تلك الآية الذي هو من مختصات الذات الإلهية ، وبين معنى ومفهوم ( التحكيم ) في هذه الآية الذي لا علاقة له بالمعنى الأول ؛ إذ إن كل رجل يختلف مع رجل آخر لا بد لهما أن يحكّما رجلاً ثالثاً . . أقول نتيجة لهذا الخلط الأكبر عند الخوارج كفروا الإمام عليّاً وكفرّوا كبار الصحابة ! ومن نماذج هذا الخلط عند الوهابية أنّهم خلطوا بين الغلو الأكبر الذي يُخرج عن الإسلام ، وبين الغلو في مصطلح بعض المحدثين الذي أطلقوه - احياناً - على رواة الحديث من المسلمين ، ومن هنا كفروا الاثني عشرية !
المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهابين ( محاولة للتقريب بين الإثني عشرية والوهابية ) — صفحة 98 | عصام علي يحيي العماد