بما يجب عرّضها للزّوال والفناء .
المعنى
العلم مصباح الهداية للجامعة البشريّة في شتّى نواحي حياته ، ولا يمكن الارتقاء في الشؤون المعنويّة والماديّة والروحيّة والجسميّة والدينيّة والدنيويّة إلَّا بالعلم والمعرفة ، وإنّما يثمر العلم في ترقية شؤون الحياة باستعماله والعمل به ، وإلَّا فمجرّد الصور الذهنيّة لا تفيد شيئا إذا لم تقترن بالعمل ولا تقع في سبيل الاستفادة والاجراء . وحيث إنّ العلم قائم بوجود العالم والعالم معرض للموت والفناء كسائر الأفراد فلا بدّ من بقاء العلم والعالم من وجود المتعلَّم والمستفيد ليقوم التّلميذ مقام الأستاذ إذا مات أو عجز عن العمل ، فالجاهل المتعلَّم هو الركن الثاني لقوام العالم وبقائه . وحيث إنّ العمل بالعلم وتعليمه وإبقائه يحتاج إلى مصارف ماليّة من معاش العالم ومصارف تحصيل المتعلَّم والمدارس والمكاتب والكتب المحتاج إليها لحفظ العلم وللتعليم ، فلا بدّ من وجود الأفراد ذوي الثروة والجود ليصرفوا مالهم في هذا السبيل وينشئوا مدارس ومكاتب وخزنة الكتب ويبنوا جامعات ومساجد للدّرس والعبادة ، فهذا هو الركن الثالث لقوام الدّين والدّنيا . وحيث إنّ الفقر والحاجة ماسّة بالاجتماع البشري من وجوه شتّى فلا بدّ من حسن النظام الاجتماعي أن يكون الفقير صابرا ديّنا لا يبيع آخرته بدنياه فيرتكب الجرائم المخلّ بنظام الاجتماع كالسرقة والخيانة والضوضاء ، فيصير الفقير الصابر الدّين هو الركن الرابع . وكلّ هذه الأركان الأربعة يرتبط بعضها ببعض وإذا اخلّ منها ركن يسرى خلله إلى سائر الأركان ، فإذا ضيّع العالم علمه استنكف الجاهل من التعلَّم لما رأى من عدم فائدة العلم مع الصّعوبة في طريق تحصيله ، وإذا بخل الغنيّ بمعروفه الواجب عليه في صرف ماله اختلّ نظام العلم والمعرفة وينقص التربية المؤثّرة في نفوس الفقراء
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 459
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٤٥٩