تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
أيّها النّاس ، اتّقوا الله فما خلق امرؤ عبثا فيلهو ولا ترك سدى فيلغو ، وما دنياه الَّتي تحسّنت له بخلف من الآخرة الَّتي قبّحها سوء النّظر عنده ، وما المغرور الَّذي ظفر من الدّنيا بأعلى همّته كالاخر الَّذي ظفر من الآخرة بأدنى سهمته . اللغة ( السدى ) : المهمل ، ( السهمة ) : النصيب . الاعراب عبثا وسدى مفعولا له لما قبلهما من الفعل . المعنى اللَّهو صفة للقلب وهو صرفه عن الخالق بالتوجّه إلى مظاهر فتانة في الخلق واللَّغو صفة للعمل باعتبار أنّه غير مفيد للدّنيا ولا للآخرة ، فيقول عليه السّلام : لم يخلق المرء عبثا بلا غاية عالية لوجوده لا تحصل إلَّا بذكر الله وطاعته كما قال تعالى : * ( « أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ » ) * - 15 - المؤمنون « . ولو خلق عبثا يصحّ له اللَّهو والانصراف عن ذكر الله ، ولم يترك سدى يختار لنفسه ما يشاء من عمل ، بل أرسل إليه الرّسل وأنزل الكتب الإلهيّة والقرآن الشريف دستورا لأعماله وأقواله فلا يجوز له التعدّي عنه والعمل بما لا يفيد له فانّ الدّنيا على أحسن ألوانها الَّذي يرضى به الانسان لنفسه لا تصير عوضا عن الآخرة الَّتي يقبحها سوء نظره إليها ، ومن ظفر بالدّنيا بأعلى همّته - وإن لا يظفر بها أحد كما يريد - لا تساوى أدنى سهم من الآخرة . قال الشارح المعتزلي : وفي قوله عليه السّلام ( الَّتي قبّحها سوء النّظر ) تصريح بمذهب أصحابنا أهل العدل رحمهم الله ، وهو أنّ الانسان هو الَّذي أضلّ نفسه لسوء نظره ولو كان الله هو الَّذي أضلَّه لما قال : قبّحها سوء النظر عنده .