تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
فيها آثار المدنيّة إلى ما يزيد عن عشرات من القرون ، وبرع فيها جمع من الفلاسفة الأول قد استمدّ يونان في عصره الذهبي من تعليمات شائعة فيها ، ثمّ عقّب ذلك بحكومة البطالسة فيها فأسّسوا فيها دور الحكمة وألَّفوا كتبا قيّمة بقي منها نحو مجسطي ، فكانت مصر متهيّئة لبيان دقائق النظم الاجتماعيّة والقضائيّة والعسكرية أكثر من سائر البلاد . وهذا هو السبب في تطويل هذا العهد وتعرّضه لكافّة شؤون الحياة المادّيّة والمعنويّة ، فانّ الاسلام حاو لكلّ ما يحتاج إليه بنو الانسان من النظم والقوانين لتربية الروح والمادّة ، وهذا أحد معاني الشريعة الكاملة الناسخة لما قبلها من الشرائع والباقية إلى آخر الدّهر . ولكنّ العرب في الحجاز وسائر أقطار الجزيرة كانوا في سذاجة من العيش وبساطة من الفهم لا يستطيعون تحمّل دقائق القوانين وتفاصيل النظم ممّا يتعلَّق بشتّى أنواع المعاش من الزراعة والتجارة والقضاوة وغير ذلك ، لعدم الانس بها في حياتهم وعدم ممارسة شؤونها . فدعاهم الاسلام في بادىء الأمر على أبسط تعاليمها في العقيدة والأخلاق ، وأزكى شؤون الانسانيّة من الاعتقاد بالصانع وعبادته وملازمة الأمور الخيريّة من البرّ بالوالدين وصلة الأرحام وترك الفحشاء والكذب وغير ذلك ، ولمّا نشر الاسلام إلى بلاد فارس وجد قوما عريقا في المدنيّة وأليفا بالنظم الاجتماعيّة ففسح أمامه مجالا لبسط تعاليمه الجذريّة . كما أنّه إذا نشر الاسلام في مصر وجد أمامه قوم من الأقباط وبقايا الفلاسفة والبطالسة ما رسوا الحياة المدنيّة أكثر وأدقّ ولمّا وقعت في حوزة حكومة عليّ عليه السلام قام فيها بتعاليم هامّة وعامّة منها صدور هذا العهد ، وإن كان عليّ عليه السّلام يتفرّس بعدم توفيق مالك نفسه لإجرائه . وقد نفصّله على خمسة عشر فصلا يمتاز بعضها عن بعض بما تضمّنها من الشؤون المختلفة والآداب الممتازة في كلّ شأن من الشؤون .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 166 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي