وقال تعالى : * ( « يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وبَيْنَه أَمَداً بَعِيداً » ) * ( آل عمران : 30 ) وقال تعالى : * ( « ولا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » ) * ( يس : 54 ) لم يقل بما كنتم أو ممّا كنتم ونحوهما فتدبّر .
قوله عليه السّلام : ( فاحذروا نارا قعرها بعيد وحرّها شديد وعذابها جديد ) أمّا كونها بعيد القعر فلأنّها من دار الآخرة وقال عزّ من قائل : * ( « وما هذِه الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ ولَعِبٌ وإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ » ) * ( العنكبوت 65 ) فنارها حيّة بحياتها الذّاتية لها فإذا أضفت كلامه هذا إلى قوله عليه السّلام : ومن أقرب إلى النار إلى عاملها ينتج أنها ليست من عالم الخلق بل هو من عالم الأمر وكلّ ما في عالم الأمر غير متصفة بصفات الخلق الناقصة المحدودة جدّا المستحيلة المتبدّلة آنا فانا فظهر معنى كونها بعيد القعر لمن وقف على ما أشرنا إليها موجزة .
وقال بعض الأعاظم : ومن أعجب ما روينا عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله أنه كان قاعدا مع أصحابه في المسجد فسمعوا هدّة عظيمة فارتاعوا فقال صلَّى اللَّه عليه وآله : أتعرفون ما هذه الهدّة قالوا : اللَّه ورسوله أعلم . قال : حجر ألقى من أعلى جهنّم منذ سبعين سنة الان وصل إلى قعرها ، فكان وصوله إلى قعرها وسقوطه فيها هذه الهدّة ، فما فرغ من كلامه عليه السّلام إلَّا والصّراخ في دار منافق من المنافقين قد مات وكان عمره سبعين سنة فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : اللَّه أكبر فعلم علماء الصحابة أنّ هذا الحجر هو ذلك المنافق ، وأنّه منذ خلقه اللَّه يهوى في جهنّم وبلغ عمره سبعين سنة فلما مات حصل في قعرها ، قال اللَّه تعالى : * ( « إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ » ) * ، فكان سمعتهم تلك الهدّة الَّتي أسمعهم اللَّه ليعتبروا فانظر ما أعجب كلام النبوّة وما ألطف تعريفه وما أغرب كلامه ، انتهى كلامه .
وأما كونها شديد الحرّ فلأنّ النّار ما دامت في كسوة المادّة الدّنيا ويّة لم يظهر سلطان أثرها وتعوقها المادّة عن ذلك وكأنّها مغمورة تحت رماد فإذا خلصت منها وخرجت عن غلافها تؤثّر أثرها التّام .
وأمّا أنّ عذابها جديد فكأنّ أمير المؤمنين روحي له الفداء يشير بقوله هذا
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 89
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٨٩