الملكوت الأعلى .
فقل للباكين ممّن طبعه أن يبكى من الأشياء المخزونة ينبغي أن يبكى ويكثر البكاء على من يهمل نفسه ، وينهك من ارتكاب الشهوات الحقيرة الخسيسة الدنيّة المموّهة الَّتي تكسبه الشرّة ( الشره - خ ل ) وتميل بطبعه إلى طبع البهائم ويدع أن يتشاغل بالنظر في هذا الأمر الشريف والتخلَّص إليه ، ويطهّر نفسه حسب طاقته ، فإنّ الطهر الحقّ هو طهر النفس لا طهر البدن فإنّ العالم الحكيم المبرّز المتعبد لباريه ، إذا كان ملطَّخ البدن باكماة فهو عند جميع الجهّال ، فضلا عن العلماء أفضل وأشرف من الجاهل الملطَّخ البدن بالمسك والعنبر .
ومن فضيلة المتعبّد للَّه الذي قد هجر الدّنيا ولذّاتها الدنيّة أنّ الجهّال كلَّهم إلَّا من سخر منهم بنفسه يعترف بفضله ويجلَّه ويفرح أن يطلع منه على الخطاء .
فيا أيها الإنسان الجاهل ألا تعلم أنّ مقامك في هذا العالم إنما هو كلمحة ثمّ تصير إلى العالم الحقيقي ، فتبقى فيه أبد الابدين انتهى كلام الكندي تغمده اللَّه بغفرانه .
( 2 ) وروى الكليني أعلى اللَّه مقامه في باب حقيقة الإيمان واليقين من كتاب الايمان والكفر من جامعه الكافي ( ص 44 ج 2 من المعرب ) باسناده عن إسحاق بن عمار قال : سمعت أبا عبد اللَّه عليه السّلام يقول : إنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله صلَّى بالنّاس الصبح فنظر إلى شابّ في المسجد وهو يخفق ويهوى برأسه ، مصفرّا لونه ، قد نحف جسمه ، وغارت عيناه في رأسه ، فقال له رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله كيف أصبحت يا فلان قال : أصبحت يا رسول اللَّه موقنا ، فعجب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله من قوله وقال : إنّ لكلّ يقين حقيقة فما حقيقة يقينك فقال : إنّ يقيني يا رسول اللَّه هو الَّذي أحزننى وأسهر ليلي وأظمأ هو اجرى فعزفت نفسي عن الدّنيا وما فيها حتّى كأنّى أنظر إلى عرش ربّى وقد نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم ، وكأنّى أنظر إلى أهل الجنّة يتنعّمون في الجنّة ويتعارفون وعلى الأرائك متكئون ، وكأنّى أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذّبون مصطرخون ، وكأنّى الان أسمع زفير النار
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 308
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٠٨