بما نطق فيهم من مشيّتك ، فجعلتهم معادن لكلماتك وأركانا لتوحيدك وآياتك ومقاماتك الَّتي لا تعطيل لها في كلّ مكان يعرفك بها من عرفك ، لا فرق بينك وبينها إلَّا أنّهم عبادك وخلقك ، فتقها ورتقها بيدك بدؤها منك وعودها إليك . إلخ .
قلت : هذا التوقيع من أسرار اللَّه المكنونة المخزونة ، والحقائق المودعة فيها تدرك ولا توصف ينالها من كان له قلب ولو تصدّينا لشرحه على قدر باعنا القصيرة وبضاعتنا المزجاة لا نجرّ إلى تأليف كتاب على حدة ، والضمير المجرور في لها وبها وبينها راجعة إلى المقامات وكذلك الضمير المنصوب في إلَّا أنّهم عبادك وضميرهم لذوي العقول فالمقامات من ذوى العقول ، ولا بأس بإتيان الضمير ، تارة من غير ذوى العقول وتارة من ذوى العقول ، وذلك نحو قوله تبارك وتعالى : * ( « وعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ » ) * أورد الضمير ثانيا من ذوى العقول إشارة إلى أنّ الأسماء ليست ألفاظا دالَّة على معانيها لأنّ معرفة الألفاظ تعدّ من العلوم الأدبيّة وهي لا توجب شرح الصدر وسعة الذات ، بل المراد بها حقائق المخلوقات ومقامات دار الوجود على ما هي عليه .
قوله عليه السّلام : لا فرق بينك وبينها إلَّا أنّهم عبادك ، قال القيصري في آخر الإشارة إلى بعض المراتب الكلَّية من الفصل الأوّل من مقدّماته على شرح الفصوص ( ص 11 من الطبع الناصري ) : ومرتبة الإنسان الكامل عبارة عن جمع جميع المراتب الإلهية والكونيّة من العقول والنفوس الكلَّية والجزئية ، ومراتب الطبيعة إلى آخر تنزلات الوجود ويسمّى بالمرتبة العمائية أيضا فهي مضاهية للمرتبة الإلهيّة ، ولا فرق بينهما إلَّا بالربوبيّة والمربوبيّة لذلك صار خليفة اللَّه - إلخ .
إنّما نقلنا كلام القيصري في المقام لكي يعلم أنّ أصل ما تفوّه به العرفاء الشامخون مقتبس من مشكاة بيت آل النّبي صلى اللَّه عليه وآله ، نعم انهم واللَّه ينابيع الحكمة والمعرفة والعرفان وخزنة الحقائق كلَّها .
وفي دعاء عرفة لمولانا الحسين بن عليّ صلوات اللَّه عليهما ، كما أتى به السيّد المذكور في الإقبال أيضا ( ص 348 ) : إلهي تردّدي في الآثار يوجب بعد
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 281
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٨١