لأنّ كلَّا منها عرض حينئذ ضرورة ، وإن أريد بها ما يراد بلفظ الوجود فلا نزاع كما أراد أهل اللَّه بالكون وجود العالم ، وحينئذ لا يكون شيء منها جوهرا ولا عرضا ولا معلوما بحسب حقيقته ، وإن كان معلوما بحسب انّيته ، والتعريف اللَّفظي لا بدّ أن يكون بالأشهر ليفيد العلم والوجود أشهر من الكون وغيره ضرورة .
والوجود العام المنبسط على الأعيان في العلم ظلّ من أظلاله لتقيّده بعمومه وكذلك الوجود الذهني والوجود الخارجي ظلَّان لذلك الظلّ لتضاعف التقييد وإليه الإشارة بقوله تعالى : * ( « أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَه ساكِناً » ) * فهو الواجب الوجود الحقّ سبحانه وتعالى الثابت بذاته المثبت لغيره الموصوف بالأسماء الإلهيّة المنعوت بالنعوت الربّانيّة المدعوّ بلسان الأنبياء والأولياء الهادي خلقه إلى ذاته الداعي مظاهره بأنبيائه إلى عين جمعه ومرتبة الوهيّته أخبر بلسانهم أنّه بهويّته مع كلّ شيء ، وبحقيقته مع كلّ حىّ ، ونبّه أيضا أنّه عين الأشياء ، بقوله : * ( « هُوَ الأَوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ والْباطِنُ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » ) * فكونه عين الأشياء بظهوره في ملابس أسمائه وصفاته في عالمي العلم والعين وكونه غيرها باختفائه في ذاته واستعلائه بصفاته عمّا يوجب النقص والشين وتنزّهه عن الحصر والتعيين وتقدّسه عن سمات الحدوث والتكوين .
وإيجاده للأشياء اختفاؤه فيها مع اظهاره إيّاها ، وإعدامه لها في القيامة الكبرى ظهوره بوحدته وقهره إيّاها بإزالة تعيّناتها وسماتها وجعلها متلاشية ، كما قال : * ( « لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّه الْواحِدِ الْقَهَّارِ » ) * * ( « هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه » ) * وفي الصغرى تحوّله من عالم الشهادة إلى عالم الغيب ، أو من صورة إلى صورة في عالم واحد ، فالمهيّات صور كمالاته ومظاهر أسمائه وصفاته ظهرت أوّلا في العلم ثمّ في العين بحسب حبّه إظهار آياته ورفع أعلامه وراياته فتكثر بحسب الصّور وهو على وحدته الحقيقيّة وكمالاته السرمديّة وهو يدرك حقائق الأشياء بما يدرك حقيقة ذاته لا بأمر آخر كالعقل الأوّل وغيره لأنّ تلك الحقائق أيضا عين ذاته حقيقة وإن كانت غيرها تعيّنا .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 222
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٢٢