تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
قلت : الإضلال : إخراج الغير عن الطريق من دواع نفسانيّة وأغراض شخصيّة من إعمال حقد وحسد ونحوهما حتّى يحصل التشفّى للمضلّ بإضلاله الغير ، ولا يخفى عليك أنّ إسناد الاضلال إليه تعالى قبيح عقلا لعدم تجويز العقل إسناده إليه فليس الإضلال بمعناه الحقيقي مسندا إليه تعالى من غير التوسّل بوسط . فنقول : لا كلام أنّه تعالى مضلّ ، من يشأ اللَّه يضلله ، ولكن تحت هذا سرّ ويتّضح لك بإيراد مثال وهو أن نقول : لو كان لك أولاد ولم تأمرهم بعمل ودستور لا يصحّ أن يقال : إنّ فلانا أطاع أباه ، وفلانا عصاه ، وأمّا إذا جعلت لهم دستورا يأمرهم بالخير قبله بعض وأبى بعض آخر ، فحينئذ يقال للأوّل : المطيع ، وللثاني : العاصي ، ثمّ لمّا كان ذلك الدستور حاويا لما فيه صلاحهم ورشادهم ، فأنت هاد للبعض الأوّل ، وحيث إنّ الثاني ظلم نفسه وأعرض عن الدستور ، فحينئذ يقال له : هو ضالّ وأنت مضلّ له ، بمعنى أنّه لو لم يكن جعل هذا الدستور لم يتميّز الهداية من الضلالة ، ولم يصحّ قبل تعيين الطريق ، أن يقال : فلان اهتدى وفلان ضلّ ، فبالحقيقة أنّ الثاني إنّما ضلّ عن دستورك وطريقك فأنت مضلّ له بهذا المعنى الدقيق اللَّطيف . فإذا فهمت المثال فهمت جواب السؤال وذلك لأنّه لولا إرسال الرسل وإنزال الكتب لما يتميّز الخبيث عن الطيّب ولم يصحّ أن يقال : فلان هدى إلى الصراط المستقيم فأفلح ، وفلان ضلّ فعصى وغوى ، وحيث إنّ الدستور هو القرآن وهو الصراط والمعيار والميزان وإنّ اللَّه تعالى أنزله هداية للعباد فمن استكبر وأبى فقد ضلّ وظلم نفسه ، وبهذا المعنى يقال : إنّ اللَّه أضلَّه أو هو مضلّ ونحوهما ، ألا ترى أنّ الإضلال يضاف إلى الظَّالمين والخاسرين والكافرين ونحوها ، نحو قوله تعالى : * ( « ويُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ » ) * ( إبراهيم : 27 ) ، وقوله تعالى : * ( « ومَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ » ) * ( الأعراف : 178 ) وقوله : * ( « كَذلِكَ يُضِلُّ الله الْكافِرِينَ » ) * وأمثالها ، فتبصّر وخذه واغتنم .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 220 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي