وخامسة يعني بالوحدة ما يفوه به من يبوح قائلا من عرّف سرّ القدر فقد ألحد .
فبما قدّمنا علمت أنّ المراد من وحدة الوجود ليس ما توهّمه أوهام من لم يصل إلى مغزا مرامهم وسرّ كلامهم ، وأنّ لقاء اللَّه تعالى الحاصل لأهله ليس كما يتصوّره الجهّال الَّذين لم يجمعوا بين الجمع والتفرقة ، وقد جاء حديث عن معدن الحقائق الإمام أبي عبد اللَّه جعفر بن محمّد الصّادق صلوات اللَّه تعالى عليه : « إنّ الجمع بلا تفرقة زندقة ، والتفرقة بدون الجمع تعطيل ، والجمع بينهما توحيد » .
وقال المولى الحكيم العارف المتألَّه ميرزا محمّد رضا القمشي قدّس سرّه في تعاليقه على تمهيد القواعد لابن تركه في شرح قواعد التوحيد لتركه في بيان الحديث : ذهبت طائفة من المتصوّفة إلى أنّ الوجود حقيقة واحدة لا تكثّر فيها ولا تشأن لها وما يرى من الممكنات المكثّرة أمور موهومة باطلة الذوات كثانى ما يراه الأحول ، وهذا زندقة وجحود ونفى له تعالى لأنّ نفى الممكنات يستلزم نفى فاعليّته تعالى ، ولمّا كان فاعليّته تعالى نفس ذاته فنفى فاعليّته يستلزم نفى ذاته وإليه أشار عليه السّلام بقوله : إنّ الجمع بلا تفرقة زندقة .
وذهبت طائفة أخرى منهم إلى أنّ الممكنات موجودة مكثرة ولا جاعل ولا فاعل لها خارجا عنها ، والوجود المطلق متّحد بها بل هو عينها وهذا إبطال لها وتعطيل لها في وجودها فإنّه حينئذ لا معطى لوجودها لأنّ المفروض أن لا واجب خارجا عنها والشيء لا يعطى نفسها ولا يوصف الممكن بالوجوب الذاتي ، وإليه أشار عليه السّلام بقوله : والتفرقة بدون الجمع تعطيل ، ويظهر من ذلك البيان أنّ كلا القولين يشتمل على التناقض لأنّ الجمع بلا تفرقة يستلزم نفى الجمع ، والتفرقة بدون الجمع يستلزم نفى التفرقة . انتهى كلامه رفع مقامه .
وإن شئت تقرير ذلك المطلب الأسنى على أسلوب آخر أبين وأوضح ممّا تقدّم ، فاعلم أنّ ما يخبر عنه ويصدر عنه أثر هو الوجود لا غير وسواه ليس محض وعدم
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 216
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢١٦