أعجز وأجهل وأشدّ حيرة . انتهى .
قال الغزالي في الإحياء في بيان الوجه الأخير من التوحيد : هو أن لا يرى في الموجود إلَّا واحدا وهو مشاهدة الصدّيقين ويسمّيه الصوفيّة الفناء في التوحيد لأنّه من حيث لا يرى إلَّا واحدا لا يرى نفسه أيضا بمعنى أنّه فنى عن رؤية نفسه .
فإن قلت : كيف يتصوّر أن لا يشاهد إلَّا واحدا وهو يشاهد السّماء والأرض وسائر الأجسام المحسوسة وهي كثيرة فاعلم أنّ هذا غاية علوم المكاشفات وأنّ الموجود الحقيقي واحد ، وأنّ الكثرة فيه في حقّ من يفرق نظره ، والموحّد لا يفرق نظر رؤية السماء والأرض وسائر الموجودات بل يرى الكلّ في حكم الشيء الواحد ، وأسرار علوم المكاشفات لا يسطر في كتاب ، نعم ذكر ما يكسر سورة استبعادك ممكن وهو أنّ الشيء قد يكون كثيرا بنوع مشاهدة واعتبار ، ويكون بنوع آخر من المشاهدة والاعتبار واحدا كما أنّ الإنسان كثير إذا نظر إلى روحه وجسده وسائر أعضائه وهو باعتبار آخر ومشاهدة أخرى واحد إذ نقول إنّه إنسان واحد فهو بالإضافة إلى الإنسانيّة واحد ، وكم من شخص يشاهد إنسانا ولا يخطر بباله كثرة أجزائه وأعضائه وتفصيل روحه وجسده ، والفرق بينهما وهو في حالة الاستغراق والاستهتار مستغرق واحد ليس فيه تفرّق وكأنّه في عين الجمع والملتفت إلى الكثرة في تفرقة .
وكذلك كلّ ما في الوجود له اعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة وهو باعتبار واحد من الاعتبارات واحد وباعتبار آخر سواه كثير بعضه أشدّ كثرة من بعض .
ومثال الانسان وإن كان لا يطابق الغرض ولكن ينبّه في الجملة على كشف الكثير ويستفيد معا من هذا الكلام بترك الإنكار والجحود بمقام لم تبلغه وتؤمن به إيمان تصديق فيكون لك من حيث إنك مؤمن بهذا التوحيد نصيب منه ، وإن لم يكن ما آمنت به صفتك كما أنّك إذا آمنت بالنّبوّة كان لك نصيب منه ، وإن لم يكن بيّنا وهذه المشاهدة الَّتي لا يظهر فيها إلَّا الواحد الحقّ سبحانه تارة يدوم
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 214
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢١٤