تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
ثمّ إنّ كلامه هذا فوق كلام البشر ، وفوق ما يحوم حوله العبارة عليه مسحة من العلم الإلهي ولعمري أنّه يجري مجرى التنزيلات السّماويّة ، لما اشتمل عليه من أمر الخلافة الحقّة ، وشأن الحجج الإلهيّة ، وأراه كأنّه موج برز من محيط عظيم ، أو نور سطع من عالم الأمر الحكيم ، لا يتفوّه به إلَّا من اصطنعه الله تعالى لنفسه ، ولا يقدر على الإتيان به إلَّا قائل إنّا لأمراء الكلام وفينا تنشّبت عروقه وعلينا تهدّلت غصونه ، ولا يليق هذا الإدّعاء إلَّا لنبيّ أو وصي نبيّ ، ولا يصدر نحو هذه الكلمة العليا إلَّا من قلب هو عيبة أسرار اللَّه جلّ شأنه ، وبالجملة :
آن كس كه ز كوى آشنائيست داند كه متاع ما كجائيست
وقد علمت في تفسير اللَّغات أنّ فلانا صنيعي وصنيعتى أي اصطنعته وربّيته وخرجته وفلان صنيعتك ومصطنعك ، قال عزّ من قائل : * ( إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُه فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ ) * ( طه 42 ) أي اصطفيتك وأخلصتك واستخلصتك لنفسي كما قال عزّ من قائل : * ( واذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّه كانَ مُخْلَصاً ) * ( مريم 52 ) وقال تعالى : * ( قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي ) * ( الأعراف 145 ) ، قال جار اللَّه الزّمخشرى في الكشاف : هذا تمثيل لما خوّله من منزلة التقريب والتكريم والتكليم ، مثّل حاله بحال من يراه بعض الملوك لجوامع خصال فيه وخصائص أهلا لئلَّا يكون أحد أقرب منزلة منه إليه ولا يأتمن على مكنون سرّه سواه . انتهى . وقال النيسابوري في التفسير : اصطنعت فلانا لنفسي إذا اصطفيته وخرجته ومعناه أحسنت إليه حتّى أنّه يضاف إليه ، ونقل نحوه عن القفّال أيضا ، ففيه غاية التشريف والتكريم . وإذا تأمّلت حقّ التأمل بما أهدينا إليك في الصنيعة تجدها تجري مجري الاصطفاء والاجتباء والإخلاص والاستخلاص فتدبّر في قوله تعالى : * ( واذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وإِسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي والأَبْصارِ . إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ . ذِكْرَى الدَّارِ . وإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيارِ ) * ( ص : 48 ) .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 115 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي