فتغالظا في القول حتّى تنافرا إلى النجاشي ملك الحبشة فأبى أن ينفر بينهما فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزّى بن رياح ، فقال لحرب : يا أبا عمرو أتنافر رجلا هو أطول منك قائمة ، وأعظم منك هامة ، وأوسم منك وسامة ، وأقلّ منك ملامة ، وأكثر منك ولدا ، وأجزل صفدا ، وأطول منك مذودا وإنّي لأقول هذا وإنّك لبعيد الغضب ، رفيع الصوت في العرب ، جلد المريرة ، جليل العشيرة ، ولكنّك نافرت منفرا .
فغضب حرب وقال : إنّ من انتكاس الزّمان أن جعلت حكما فترك عبد المطَّلب منادمة حرب ، ونادم عبد اللَّه بن جدعان وأخذ من حرب مائة ناقة فدفعها إلى ابن عمّ اليهودي ، وارتجع ماله إلَّا شيئا هلك فغرمه من ماله .
ثمّ قال زيني دحلان : ويروى أنّ حربا كان لا يلتقي من أحد من رؤساء قريش أو غيرهم في عقبة أو مضيق إلَّا تأخّروا وتقدّم هو ، ولا يستطيع أحد أن يتقدّم عليه فالتقى حرب مع رجل من بني تميم في عقبة فتقدّمه التميمي ، فقال حرب : أنا حرب بن اميّة فلم يلتفت إليه التميمي ومرّ قبله فقال حرب : موعدك مكَّة فبقى التّميمي دهرا ثمّ أراد دخول مكَّة فقال : من يجيرني من حرب بن اميّة فقيل له : عبد المطَّلب بن هاشم فأتى التّميمي ليلا دار الزّبير بن عبد المطَّلب فدقّ الباب فقال الزّبير لأخيه الغيداق : قد جاءنا رجل إمّا مستجير أو طالب حاجة أو طالب قرى وقد أعطيناه ما أراد فخرج الزّبير فأنشد الرّجل :
لاقيت حربا في الثنيّة مقبلا
والصبح أبلج ضوءه للباري
فدعا بصوت واكتنى ليروعني
ودعا بدعوته يريد فخاري
فتركته كالكلب ينبح وحده
وأتيت أهل معالم وفخار
ليثا هزبرا يستجار بقربه
رحب المنازل مكرما للجار
ولقد حلفت بمكَّة وبزمزم
والبيت ذي الأحجار والأستار
إنّ الزّبير لما نعي من خوفه
ما كبّر الحجّاج في الأمصار