تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
ثمّ إنّه عليه السّلام طلب من اللَّه تعالى أن يفرق بينه وبين أعدائه ويبعدهم عنه ويفصل بينهما لما دريت من أنّ الفتح هو الفصل فإذا حكم بينهما بالفصل يميز الطيب من الخبيث والحقّ من بالباطل وعند ذلك يفتضح الباطل ويحلّ إلى دار البوار فكأنّ هذا القول دعاء عليهم والمراد أنّه عليه السّلام دعا عليهم أن ينزل اللَّه عليهم عذابا يدلّ على كونهم مبطلين وعلى أنّه عليه السّلام وقومه محقّين ، ولم يصرّح في كلامه هذا أن أيّهما على الحقّ وأيّ فريق على الباطل بل أبهم في ذلك لأنّه أدلّ على المقصود وأشدّ في تبكيت الخصم وأوفق بأسلوب المحاورة . وهذا الكلام اقتباس من القرآن العظيم حكاه اللَّه تعالى عن نبيّه شعيب صلوات اللَّه عليه مع قومه حيث قال عزّ من قائل : * ( قالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِه ِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ . قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ ) * ( الأعراف 88 و 89 ) . ويعجبني في المقام نقل خطبة من عبد اللَّه بن عبّاس رحمه اللَّه فانّه أجاد بما أفاد ونطق بالحقّ وهدى إلى الرشاد والسداد وأوصى وصيّة مفضي النّصح والصّدق والوداد نقلها نصر بن مزاحم في كتاب صفّين ( ص 164 من الطبع الناصري ) قال نصر قال عمر حدّثني خالد بن عبد الواحد الجزري قال : حدّثني من سمع عمرو بن العاص قبل الوقعة العظمى بصفّين وهو يحرّض أصحابه بصفّين فقام محنيا على قوس فقال - وبعد ما نقل قول عمرو بن العاص قال : ثمّ قام عبد اللَّه بن العبّاس خطيبا فقال : الحمد للَّه ربّ العالمين الَّذي دحى تحتنا سبعا وسمك فوقنا سبعا ثمّ خلق فيما بينهنّ خلقا ، وأنزل لهم فيها رزقا ، ثمّ جعل كلّ شيء يبلى ويفنى غير وجهه الحيّ القيّوم الَّذي يحيى ويبقى ، ثمّ إنّ اللَّه بعث أنبياء ورسلا فجعلهم حججا على عباده عذرا ونذرا ، لا يطاع إلَّا بعلمه وإذنه يمنّ بالطاعة على من يشاء من عباده ثمّ يثيب عليها ، ويعصى فيعفو ويغفر بحمله ، لا يقدّر قدره ، ولا يبلغ شيء مكانه ،