ثمّ انظر في سيرة قائد الغرّ المحجّلين أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام في حروبه ، لا يأذن القوم أن يواجهوا الخصم إلى حدّ يشعر بإرادة ايقاع الفتنة فتبصّر أنّ الحجج الإلهيّة والَّذين تولَّوا أمور الدّين بعدهم بإذنهم شأنهم أجلّ ممّا توهّمه الجاهلون وعزّوهم إلى كثير ممّا ليس إلَّا فرية واختلاق .
ومنها أن يتباعد عنهم تباعد من يؤذن بخوفه من البأس أي الحرب لأنّ ذلك يشعر بالوهن والضعف والخوف من العدوّ فيوجب أن يطمع العدوّ فيه . ثمّ ضرب له في هذين النهيين غاية فقال : حتّى يأتيك أمري .
ومنها أن لا يحملنّ معقل بن قيس وأصحابه بغض القوم وعداوتهم إيّاهم على أن يقاتلوهم قبل أن يعذروا إليهم الدّعاء ويمنحوهم النصح ويتمّوا الحجّة عليهم ويدعوهم إلى الإمام الحق . وفي الكافي ( الوافي ص 16 ج 9 ) عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام : لمّا وجّهني رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه واله إلى اليمن فقال : يا علىّ لا تقاتل أحدا حتّى تدعوه إلى الإسلام وأيم اللَّه لئن يهدي اللَّه على يديك رجلا خير لك ممّا طلعت عليه الشمس وغربت ولك ولاؤه .
ويستحبّ أن يكون الدّعوة بما في النصّ كما يأتي تفصيله في شرح المختار الخامس عشر من هذا الباب إن شاء اللَّه تعالى .
فلو كان القتال بمجرّد عداوة الخصم يخرج كونه طاعة بل قتال في سبيل هوى النفس وتشفّيها فلا أقلّ من أن يكون مشوبا بغير طاعة اللَّه وقد قال تعالى وتقدّس : * ( فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّه ِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّه ِ أَحَداً ) * ( آخر الكهف ) والجهاد عبادة فلا بدّ فيه من خلوص النيّة . وتأبى نفسي إلَّا نقل جملة ما أجاد العارف الرّومي في المثنوي من أبيات تناسب المقام جدّا :
از على آموز اخلاص عمل
شير حق را دان منزّه از دغل
در غزا بر پهلوانى دست يافت
زود شمشيري بر آورد وشتافت
أو خدو انداخت بر روى على
افتخار هر نبيّ وهر وليّ
أو خدو انداخت بر رويى كه ماه
سجده آرد پيش أو در سجده گاه