أمّا كلام الفخر الرازي في المحصّل فقال ( ص 137 طبع مصر 1323 ه ) « مسألة » الله تعالى يصحّ أن يكون مرئيّا ، خلافا لجميع الفرق ، أمّا الفلاسفة والمعتزلة فلا إشكال في مخالفتهم ، وأمّا المشبّهة والكراميّة فلأنّهم إنما جوّزوا رؤيته لاعتقادهم كونه تعالى في المكان والجهة وأمّا بتقدير أن يكون هو تعالى منزّها عن الجهة فهم يحيلون رؤيته ، فثبت أنّ هذه الرؤية المنزّهة عن الكيفيّة مما لا يقول به أحد إلَّا أصحابنا .
وقبل الشروع في الدّلالة لا بدّ في تلخيص محلّ النزاع .
فإنّ لقائل أن يقول : إن أردت بالرؤية الكشف التامّ فذلك مسلَّم ، لأنّ المعارف تصير يوم القيامة ضروريّة ، وإن أردت بها الحالة الَّتي نجدها من أنفسنا عند اتّصال الشعاع الخارج من العين إلى المرئي أو عن حالة مستلزمة لارتسام الصورة أو لخروج الشعاع وكلّ ذلك في حق الله تعالى محال ، وإن أردت به أمرا ثالثا فلا بدّ من إفادة تصوّره ، فإنّ التصديق مسبوق بالتصوّر .
والجواب أنّا إذا علمنا الشيء حال مالا نراه ثمّ رأيناه فانّا ندرك تفرقة بين الحالين . وقد عرفت أنّ تلك التفرقة لا يجوز عودها إلى ارتسام الشبح في العين ، ولا إلى خروج الشعاع منها ، فهي عائدة إلى حالة أخرى مسمّاة بالرؤية فندّعي أنّ تعلَّق هذه الصفة بذات الله جائز ، هذا هو البحث عن محلّ النزاع ، والمعتمد أنّ الوجود في الشاهد علَّة لصحّة الرؤية فيجب أن يكون في الغائب كذلك .
قال : وهذه الدلالة ضعيفة من وجوه : أحدها أنّ وجود الله تعالى عين ذاته ، وذاته مخالف لغيره فيكون وجوده مخالفا لوجود غيره فلم يلزم من كون وجودنا علَّة لصحّة الرؤية كون وجوده كذلك .
سلَّمنا أنّ وجودنا يساوي وجود الله تعالى ومجرّد كونه وجودا لكن لا نسلَّم أنّ صحة الرؤية في الشاهد مفتقرة إلى العلَّة ، فإنّا بيّنا أنّ الصحّة ليست أمرا ثبوتيّا فتكون عدميّة ، وقد عرفت أنّ العدم لا يعلَّل .
سلَّمنا أنّ صحّة رؤيتنا معلَّلة فلم قلت إنّ العلَّة هي الوجود قالوا : لأنّا
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 258
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٥٨