تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
زعموا في ماهيّة كلامه تعالى أنه معنى قديم قائم بذاته ليس بحرف ولا صوت ولا أمر ولا نهي ولا خبر ولا استخبار وغير ذلك من أساليب الكلام ، لأنهم مع ذهابهم إلى تجرّده تعالى قالوا برؤيته بالأبصار ولكنه يرى لا كما يرى الأجسام بل يرى وليس فوقا ولا تحتا ولا يمينا - إلى آخر ما نقلنا من مذهبهم في الرؤية . ثمّ إنّ بعض الأشاعرة لمّا التفتوا إلى سخافة رأي شيخهم في الرؤية تصدّى لحمل كلامه على وجه لعلَّه يوافق حكم العقل فقال : ليس مرادنا بالرؤية الانطباع أو خروج الشعاع ، بل الحالة الَّتي تحصل من رؤية الشيء بعد حصول العلم به . ومراده من كلامه هذا أنه ليس المراد بالرؤية هو الانكشاف التامّ المسلَّم جوزاه عند الكلّ ، ولا ارتسام صورة المرئيّ في العين المسلَّم امتناعه عند الكلّ بل أمر آخر وراء ذلك يسمّونه بالحالة الَّتي تحصل من رؤية الشيء بعد حصول العلم كما صرّح به شارح الفصوص المنسوب إلى الفارابي ، والفخر الرازي في المحصّل والرجلان من كبار الأشاعرة . فقال الأوّل ( ص 126 طبع طهران 1318 ه ) : مذهب أهل الحقّ وهم الأشاعرة أنّ الله تعالى يجوز أن يرى منزّها عن المقابلة والجهة والمكان ، وخالفهم في ذلك سائر الفرق ، ولا نزاع للنافين في جواز الانكشاف التامّ العلمي ، ولا للمثبتين في امتناع ارتسام صورة المرئيّ في العين ، واتصال الشعاع الخارج من العين بالمرئيّ إنما محلّ النزاع إذا عرّفنا الشمس مثلا بحدّ أو رسم كان نوعا من الإدراك ، ثمّ إذا بصرناها وغمضنا العين كان نوعا آخر فوق الأوّل ، ثمّ إذا فتحنا العين يحصل لنا من الإدراك نوع آخر فوق الأوّلين نسميّها الرّؤية ولا يتعلَّق في الدّنيا إلَّا بما هو في جهة أو مكان ، فمثل هذه الحالة الادراكيّة هل يصحّ أن يقع بدون المقابلة والجهة وأن يتعلَّق بذات الله تعالى منزّهة عن الجهة والمكان أم لا فالأشاعرة يثبتونها والمعتزلة وسائر الفرق ينكرونها . انتهى كلامه . ولا يخفى عليك أنه لم يأت بما يغنيهم وينجيهم من مهالك رأيهم الكاسد ، وأورد عليه الفخر في المحصّل اعتراضات كثيرة مع أنه حرّر البحث أيضا مثل ذلك