الدين والذبّ عن الامّة جاز أن يتولَّى ذلك بنفوسها وما رأيت أعجب من ادعاء مخالفينا أنّ أصحاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله كانوا كارهين لما جرى عليه وأنّهم كانوا يعتقدونه منكرا وظلما وهذا يجرى عند من تأمله مجرى دفع الضرورة قبل النظر في الأخبار وسماع ما ورد من شرح هذه القصة لأنّه معلوم أن ما يكرهه جميع الصحابة أو أكثرهم في دار عزّهم وبحيث ينفذ أمرهم ونهيهم لا يجوز أن يتم ومعلوم أن نفرا من أهل مصر لا يجوز أن يتمّ ومعلوم أن نفرا من أهل مصر لا يجوز أن يقدموا المدينة وأن يغلبوا جميع المسلمين على آرائهم ويفعلوا ما يكرهونه بإمامهم بمرأى منهم ومسمع وهذا معلوم بطلانه بالبداهة والضرورات قبل مجيء الآثار وتصفح الأخبار وتأملها .
وقد روى الواقدي عن ابن أبي الزناد عن أبي جعفر القاري مولى بني مخزوم قال : كان المصريون الذين حصروا عثمان ستمائة عليهم عبد الرحمن بن عديس البلوى وكنانة بن بشير الكندي وعمرو بن الحمق الخزاعي ، والذين قدموا من الكوفة مأتين عليهم مالك بن الحرث الأشتر النخعي والذين قدموا من البصرة مأئة رجل رئيسهم حكيم بن جبلة العبدي وكان أصحاب النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله الذين خذلوه لا يرون أن الأمر يبلغ بهم إلى القتل ولعمري لو قام بعضهم فحثا التراب في وجوه أولئك لانصرفوا وهذه الرّواية تضمنت من عدد القوم الوافدين في هذا الباب أكثر ممّا تضمّنه غيرها .
وروى شعبة بن الحجاج عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرّحمن قال : قلت له : كيف لم يمنع أصحاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله عن عثمان قال : إنما قتله أصحاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله . وروى عن أبي سعيد الخدري أنّه سئل عن مقتل عثمان هل شهده واحد من أصحاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله قال : نعم شهده ثمانمائة ، وكيف يقال : إن القوم كانوا كارهين وهؤلاء المصريون كانوا يغدون إلى كلّ واحد منهم ويروحون ويشاورونه فيما يصنعونه ، وهذا عبد الرّحمن بن عوف وهو عاقد الأمر لعثمان وجالبه إليه ومصيره في يده يقول على ما رواه الواقدي وقد ذكر له عثمان في مرضه الذي مات فيه عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه فبلغ عثمان ذلك فبعث إلى بئر كان يسقى منها
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 343
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٤٣