القرآن فرأى أنّ أحدا اعطى أفضل ممّا اعطى فقد عظَّم صغيرا وصغّر عظيما ، ولو كان المراد بالتغنّى في هذا الخبر ترجيع الصوت بالقرآن لكان من لم يقصد هذه في تلاوته ويعتمدها في صلاته داخلا تحت الذّم ومقارفا للذنب ، لأنّه عليه السّلام قال : ليس منّا من لم يثغنّ بالقرآن ، فبان أنّ المراد به الاستغناء لا الغناء ، انتهى كلامه رفع مقامه .
ولبعض الأعلام كلام في المقام ليس فوقه كلام في ايضاح المرام في ابطال ديدن الصوفيّة في مسألة الغناء وكشف ساير سوآتهم وبيان نكتة سراية التّصوف من العامّة إلى الخاصّة ، يعجبني نقله تنبيها للمتصوّفة الخاصة من نومة الغفلة والجهالة ، وايقاظا لهم من رقدة الضلالة فأقول : قال الشيخ عليّ بن الشيخ محمّد العاملي في محكىّ كلامه من كتاب الدّر المنثور من المأثور وغير المأثور عند شرحه الحديث السابع في الغناء نقلا من الكافي ما هذه عبارته : ومن ذلك ما روى عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : اقرؤا القرآن بألحان العرب وأصواتها وإيّاكم ولحون أهل الفسوق وأهل الكباير فانّه سيجيء من بعدى أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء والنّوح والرّهبانيّة لا تجوز تراقيهم قلوبهم مقلوبة وقلوب من يعجبه شانهم .
أقول : هذا الحديث يدلّ صريحا على أنّ الغناء يحصل بترجيع القرآن على النحو المتعارف في هذا الزّمان ، ويدلّ على تفسير الغناء بالتّرجيع المطرب والطرب خفة تصيب الانسان لشدّة حزن أو سرور كما ذكره أهل اللَّغة ، وفي كون فعلهم كفعل أهل الفسوق والكباير وعدم جوازه التراقي وقلب قلوبهم وقلوب من يعجبه ذلك ما هو ظاهر لمن عقله كيف لا وهو كلام سيّد البشر صلوات اللَّه وسلامه عليه وآله ، وهل سمعت أو رأيت أحدا يقرأ القرآن بالمثانى والطنبور والأوتار ونحوها حتّى تخصّ الغناء بمثل ذلك ويسهل طريق سماع ما صار متعارفا شايعا بعد ما ظهر أنّه عناء في غير القرآن أيضا لصدق الغناء عليه بما عرفته ، وسنوضحه
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 282
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٨٢