باللَّه قال اللَّه سبحانه : * ( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ِ ) * ، وأمّا الظلم الذي يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات ، وأمّا الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا .
فانّ هذه الآية والحديث يخصّان التجاوز عن السيئات في الآية السّابقة بالمؤمنين وبغير مظالم العباد ، فيبقي الوعيدات الواردة في حقّ الكفّار وفي حقوق النّاس على حالها لعدم ارتفاع عللها .
ويستفاد هذا التّخصيص من صدر الآية السابقة أيضا ، فانّ قوله تعالى : * ( نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا ) * ، يدلّ على أنّ المراد بالآية المؤمنون خاصّة ، إذ الكافر ليس له عمل صالح حسن مقبول .
وأيضا لو أبقينا التجاوز عن السيئات على عمومه لكان الوعيدات الالهيّة كلَّها لغوا وعبثا ، لاستحالة وقوعها بعد ارتفاع عللها ، بل يلزم أن يكون اللَّه سبحانه في أخباره المتضمّنة للوعيد كاذبا ، ومن أصدق من اللَّه قيلا ، فتعالى اللَّه عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا .
ثمّ إنّ صدور أمثال هذه المقالات من هذه الطايفة وقبول أمثالهم تلك الخيالات منهم صار سببا لغلط أعظم من غلطهم المتقدّم ، وهو إثباتهم للمتصلَّبين من الكفّار مزّية وفضيلة بقدر تصلَّبه وإصراره على الكفر والجهالة حتّى أنّ بعضهم سمّى إبليس رئيس الموحّدين ، مثل أحمد الغزالي فقد قال الشارح المعتزلي في شرح الفصل الثاني عشر من الخطبة الأولى : وكان في المسلمين ممّن يرمي بالزّندقة من ذهب إلى تصويب إبليس في الامتناع من السجود ويفضّله على آدم عليه السّلام وهو بشار بن برد المرغث ومن الشعر المنسوب إليه :
النّار مشرقة والأرض مظلمة
والنّار معبودة مذ كانت النّار
وكان أبو الفتوح أحمد بن محمّد الغزالي الواعظ أخو أبي حامد الغزالي الفقيه الشّافعي قاصّا لطيفا وواعظا مفوّها ، وهو من خراسان من مدينة طوس وقدم إلى بغداد ووعظ بها وسلك في وعظه مسلكا منكرا ، لأنّه كان يتعصّب لإبليس ويقول إنه سيّد الموحّدين .