أي يسمّى ذلك النّعيم الذي لأهل الشقاء عذابا لعذوبة طعمه بالنسبة إليهم فانّ العذاب مأخوذ من العذب في الأصل ، وذاك أي لفظ العذاب له أي للعذب كالقشر والقشر صائن للَّه من الآفات ، فلفظ العذاب يصون معناه عن إدراك المحجوبين الغافلين عن حقايق الأشياء ، انتهى كلامهما هبط مقامهما .
ومحصّل ما استدلَّا به وجوه : الأوّل إنّ اللَّه سبحانه يحمد ويثنى بالعفو والغفران لا بالتّعذيب والانتقام ، وهو طالب للحمد والثّناء ، فيجب الصّدق في الوعد بالثواب لا الوعيد بالعقاب .
الثاني إنّ اللَّه تعالى قال : * ( فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِه ِ رُسُلَه ُ ) * ، ولم يقل ووعيده فالخلف في الوعيد جايز .
الثالث إنّه تعالى قال : * ( أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ) * ، فلا بدّ من وقوع التّجاوز عن السيئات لأنّه وعد الصدق ، وليس بمخلف وعده .
الرّابع أنّه إذا كان التجاوز عن السّيئات والذنوب لازم الوقوع فلا يمكن وقوع الوعيد لأنّ بقاء المعلول من دون علَّته محال ، وقد كانت علَّة الذنوب ارتفعت بالتجاوز .
أقول : وأنت خبير بأنّ هذا كلَّه ممّا نسجه عدوّ اللَّه الشّيطان اللَّعين على لسان وليّه عدوّ رسول اللَّه ماحى الدّين ، إغراء للكفّار على الكفر والعدوان ، وللعصاة على التّمرد والعصيان كما قال تعالى : * ( وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوه ُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ . وَلِتَصْغى إِلَيْه ِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْه ُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ ) * ويبطل ما ذكره كلَّه قوله تعالى : * ( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) * ، وقول أمير المؤمنين عليه السّلام في الخطبة المأة والخامسة والسبعين : ألا وإنّ الظلم ثلاثة : فظلم لا يغفر ، وظلم لا يترك ، وظلم مغفور لا يطلب ، فأمّا الظلم الَّذي لا يغفر فالشرك
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 252
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٥٢