تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
بقوله « بصنع اللَّه يستدلّ عليه » إشارة إلى أنّ طريق معرفته هو الاستدلال عليه باثاره وصنايعه فقط . وقوله « بالفطرة تثبت حجّته » أي بأن فطرهم وخلقهم خلقة قابلة للتصديق والاذعان والمعرفة والاستدلال ، أو بتعريفهم في الميثاق وفطرهم على ذلك التّعريف . وقوله « خلقة اللَّه الخلق حجاب بينه وبينهم » أي كونه خالقا وأنّ الخالق لا يكون بصفة المخلوق ويكون مباينا له في الصّفات صار سببا لاحتجا به عن الخلق فلا يدركونه بحواسّهم وعقولهم والحاصل أنّ كماله ونقص مخلوقية حجاب بينه وبينهم ، وبتقرير آخر لما خلق اللَّه الخلق محدودا وكان سبحانه منزّها عن الحدّ حسبما عرفت سابقا أوجب تحدّدهم وتنزّهه الاحتجاب . والحاصل أنّ المخلوقيّة علَّة تامّة للاحتجاب ، لأنّ الاشتمال على الحدّ من لوازم ذات المخلوق فيستحيل إلقاؤه للحدّ ووصوله إلى مرتبة الواجب أو اشتمال الواجب على الحدّ وتنزّله على مرتبة الممكن ، فيبطل ما قاله الصوفيّة من ترقّى المخلوق إلى مرتبة الخالق ، وتنزّل الخالق إلى مرتبة المخلوق في قوس الصعود والنزول واحتجاب كلّ منهما بالاخر حسبما قدّمنا حكايته عن كلام محيي الدين في الفصّ الابراهيمى وغيره . وقوله « ومباينته إيّاهم مفارقته إينيّتهم » أي مباينته تعالى ليس بحسب المكان حتّى يكون في مكان وغيره في مكان آخر بل إنّما هي بأن فارق أينيّتهم فليس له أين ومكان وهم محبوسون في مطمورة المكان ، أو المعنى أنّ مباينته لمخلوقيه في الصّفات صار سببا لأن ليس له مكان . ورواه بعض مشايخنا المعاصرين : مفارقته إنيّتهم أي تحقّقهم ووجودهم يعنى أنّ مفارقة الخالق للمخلوقات ليس كافتراق المخلوقات بعضها عن بعض ، لأنّ مفارقتها إنّما هو بالحدود المميّزة وإنما هو بمعنى أجلّ وأعلى وهو مفارقة وجوده