على مفرّقها ، وبتأليفها على مؤلَّفها ذلك قوله عزّ وجلّ * ( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) * ففرّق بها بين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد ، شاهدة بغرايزها أن لا غريزة لمغرزها ، دالة بتفاوتها أن لا تفاوت لمفاوتها ، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقّتها ، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبينها غيرها ، له معنى الرّبوبية إذ لا مربوب ، وحقيقة الإلهية إذ لا مألوه ، ومعنى العالم ولا معلوم ، ومعنى الخالق ولا مخلوق وتأويل السمع ولا مسموع ، وليس مذ خلق استحقّ معنى الخالق ، ولا باحداثه البرايا استفاد معنى البرّائيّة ، كيف ولا تغيّبه مذ ، ولا تدنيه قد ، ولا يحجبه لعلّ ، ولا يوقّته متى ، ولا يشتمله حين ، ولا تقارنه مع ، إنّما تحدّ الأدوات أنفسها ، وتشير الآلة إلى نظايرها وفي الأشياء يوجد فعالها ، منعتها مذ القدمة ، وحمتها قد الأزلية ، وجنبتها لولا التّكملة ، افترقت فدلَّت على مفرّقها ، وتباينت فأعربت عن مباينها ، بها تجلَّى صانعها للعقول ، وبها احتجب عن الرّؤية ، وإليها تتحاكم الأوهام ، وفيها أثبت غيره ، ومنها أنيط الدّليل ، وبها عرّفها الاقرار ، بالعقول يعتقد التّصديق باللَّه ، وبالاقرار يكمل الايمان به ، لا ديانة إلَّا بعد معرفة ، ولا معرفة إلَّا باخلاص . ولا إخلاص مع التّشبيه ، ولا نفى مع إثبات الصّفات للتّشبيه « بالتشبيه خ ل » فكلَّما في الخلق لا يوجد في خالقه ، وكلَّما يمكن فيه يمتنع في صانعه ، لا تجرى عليه الحركة والسكون ، وكيف يجرى عليه ما هو أجراه ، ويعود فيه ما هو ابتداه ، إذا لتفاوتت ذاته ، ولتجزّء كهنه ، ولامتنع من الأزل معناه ، ولما كان للبارى معنى غير المبرء ، ولو حدّ له وراء إذا حدّ له أمام ، ولو التمس له التّمام إذا لزمه النقصان ، كيف يستحقّ الأزل من لا يمتنع من الحدث ، وكيف ينشئ الأشياء من لا يمتنع من الانشاء ، إذا لقامت فيه آية المصنوع ، ولتحول دليلا بعد أن كان مدلولا عليه ، ليس في محال القول حجّة ، ولا في المسألة عنه جواب ، ولا في معناه له تعظيم ، ولا في إبانته من الخلق ضيم إلَّا بامتناع الأزليّ ان يثنى ، وما لا بدء له أن يبدء ، لا إله إلَّا اللَّه العلىّ العظيم ، كذب العادلون باللَّه وضلَّوا ضلالا بعيدا ، وخسروا خسرانا مبينا ، وصلَّى اللَّه على محمّد وآله الطاهرين .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 226
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٢٦