قال الغزالي : وقد روى حديث الرّؤية جماعة من الصّحابة .
أقول : ولو روى ألف صحابة حديثا مفيدا لرؤيته سبحانه بحاسة البصر لطرحناه لكونه مخالفا لنصّ الكتاب فضلا عن البراهين الساطعة ، نعم لو كان حديثا معتبرا قابلا للتّأويل أوّلناه كما نؤوّل قوله تعالى : * ( وُجُوه ٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ) * ، وقوله : * ( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّه ُ لِلْجَبَلِ ) * ، ونحوهما بما لا يخالف أصول المذهب واللَّه هو الهادي .
الوجه الثالث من وجوه الدلالة قوله عليه السّلام : بان من الأشياء بالقهر لها والقدرة عليها وبانت الأشياء منه بالخضوع له والرّجوع إليه .
فانّه صريح في مباينته للأشياء بغلبته واستيلائه عليها وقدرته على ايجادها وإعدامها كما هو شأن الواجب تعالى وبخضوع الأشياء وذلَّها في قيد الامكان ورجوعها وافتقارها في وجودها وكمالاتها إليه عزّ وجلّ كما هو مقتضى حال الممكن ومع ذلك فكيف يمكن جعل أحدهما عين الاخر على ما ذهب إليه المتصوّفة .
الوجه الرابع قوله عليه السّلام : من وصفه فقد حدّه إلى قوله : فقد أبطل أزله .
وهو صريح في تنزّهه سبحانه عن الأوصاف والحدود الامكانيّة فيبطل القول بظهوره في صور الموجودات واتّصافه بأوصافها وحدودها وتشكله بأشكال المختلفة كما هو مذهب الصوفيّة خذلهم اللَّه تعالى .
ومنه أكثر فقرات الخطبة المأة والثانية والستّين :
فمنها قوله عليه السّلام فيها : حدّ الأشياء عند خلقه لها إبانة له من شبهها .
أي انّه تعالى جعل للأشياء عند ايجاده إيّاها أجزاء وذاتيات إن كان الحدّ بمعناه المنطقي أو حدودا ونهايات إن كان بمعناه اللَّغوى ومحصّله أنّه تعالى جعلها محدودة مشخصة بحدود معيّنة تقف عندها ولا يتجاوز عنها إلى غيرها .
وإنّما جعلها كذلك ليتميّز بعضها عن بعض ويفترق أحدها عن الاخر ، لأنّ الشخص ما لم يتشخّص لم يوجد ، والوقوف إلي حدّ معيّن لا بدّ له من علَّة محدّدة إذ ماهية الشيء لو كانت مقتضية للانتهاء إلى ذلك الحدّ المخصوص لكان
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 190
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٩٠