تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
قال شارحه القيصري : إي لمّا مكر نوح معهم مكروا مكرا كبّارا في جوابه وذلك لأنّ الدّعوة إلى اللَّه مكر من الداعي بالمدعوّ ، لأنّ المدعوّ ما عدم الحقّ من البداية حتى يدعى إليه في الغاية لأنّه مظهر هويته في بعض مراتب وجوده فالحقّ معه بل هو عينه فالدّاعى إذا دعى مظهرا ما يمكر به فإنه يريد إنّ الحق ليس معه أو هو غيره وهو عين المكر . لكن مثل هذا المكر من الأنبياء إنّما هو على بصيرة كما قال : أدعو إلى اللَّه على بصيرة أنا ومن اتّبعنى ، أي يعلم النبيّ أنه مظهر هوية الحقّ لكن يدعوه ليخلَّصه عن القيود وترتفع عنه الحجب الموجبة للضلالة فيرى ذاته مظهرا للهوّية ويشاهد جميع الموجودات مظاهر للحق ويعبده بجميع أسمائه وصفاته كما عبده من حيث اسمه الخاص ، وفاعل نبه ضمير يرجع إلى نوح أو إلى الحقّ أي نبّههم على أنّ الملك كله للَّه ليس كما تخيلوا أنه لهم . قال » فقالوا في مكرهم لا تذرنّ آلهتكم ولا تذرّن ودّا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحقّ على قدر ما تركوا من هؤلاء فانّ للحقّ في كلّ معبود وجها يعرفه من عرفه ويجهله من جهله فالعالم يعلم من عبد وفي أىّ صورة ظهر حتى عبد ، وأنّ التفريق والكثرة كالأعضاء المحسوسة وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية . قال الشارح القيصري : فالعالم باللَّه ومظاهره يعلم أنّ المعبود هو الحقّ في أىّ صورة كانت سواء كانت حسّية كالأصنام أو خيالية كالجنّ أو عقلية كالملائكة ويعلم أنّ التفريق والكثرة مظاهر لأسمائه وصفاته وهى كالأعضاء في الصورة الانسانية ، فانّ العين مظهر للابصار والاذن للسمع والانف للشمّ واليد للبطش ، وكالقوى الروحانية كالعقل والوهم والذاكرة والحافظة والمفكرة والمتخيلة فإنها كلَّها مظاهر لصفات الرّوح ، انتهى . ومحصّل كلامهما أنّ قوم نوح في عبادتهم للأصنام كانوا محقّين لكونها مظاهر الحقّ كما أن العابدين لها كذلك لأنهم أيضا كانوا مظهر الحقّ وكان