تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
الخاص بحجر أو حيوان أو شجر أو انسان أو كوكب أو ملك أو فلك هذا اسم الشخصيّة فيه والألوهية مرتبة تخيل العابد له » اى لمعبوده « انّها مرتبة معبوده الخاص وهي على الحقيقة مجلى للحق » انتهى كلامهما هبط مقامهما ببعض تلخيص منّا . ومحصّل كلامهما كما ترى أنّ الأصنام جميعا مجالي الحقّ ومظاهره بل هي عين الحقّ بل الأشياء جميعا مظاهره ومجاليه وعبدة الأوثان والأصنام وكذلك العابدون للشمس والقمر والكواكب والشجر والحجر والنار والعجل ، وكذلك عبادة المدّعين للالوهيّة من فرعون وشداد ، وكذلك المنقادين للجبابرة وساير الظلمة من أرباب الجاه والمناصب المسلطين على الرّعية كلَّهم جميعا عابدون للَّه تعالى لأنّ هذه المعبودات كلَّها هو الحقّ ظهر في هذه المظاهر وتصوّر بهذه الصور المختلفة فهي على كثرتها ليست في الحقيقة إلَّا واحدا . ومنع الأنبياء والأولياء من عبادة الأصنام لم يكن من حيث إنّها عبادة باطلة مبغوضة للَّه تعالى بل من أجل حصر العابد للصّنم أو الشجر أو الحجر مثلا عبادته في هذا المعبود الخاصّ ، فبعث اللَّه الأنبياء ليرشدوا أمتهم ويعلَّموهم أنّ اللَّه شاء وقضى أن يعبد في كلّ صورة ومجلى ، وأنّ المجالى كلَّها إله فليس لكم أن تقصروا عبادتكم بمعبود خاصّ وتخصّصوه به وتتّخذوه إلها دون غيره . ومن هذا الباب كان غضب موسى على هارون فانّه عليه السّلام لما كان أعلم منه وكان يعلم أن اللَّه شاء أن يعبد في كلّ صورة حتّى صورة العجل وما شاءه وقضاه عزّ وجلّ لا بدّ من وقوعه لا محالة وكان هارون لا يعلم ذلك ولذلك أنكر على قومه عبادته فعتب موسى عليه لأجله ونبّهه على عدم اتّساع قلبه وعلى غفلته وذهوله عن حقيقة الأمر . والحاصل إنّ الأنبياء إنّما بعثوا ليأمروا امّتهم بعبادة كلَّشيء من صنم أو غيره وليردعوهم عن قصر عبادتهم بشيء مخصوص معيّن فقط . وقد أوضح الرّجس الخبيث هذا الغرض في بعض فقرات الفصّ النّوحى . قال في جملة ما نقل من كلام نوح وقومه : « ومكروا مكرا كبّارا » لأنّ الدّعوة إلى اللَّه مكر بالمدعوّ لأنّه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية فهذا عين المكر على بصيرة فنبّه أنّ الأمر له كلَّه فأجابوه مكرا كما دعاهم