بالعقول المتعارفة بل بالرياضة والمجاهدة وبطور وراء طور العقل ، وهو فناء السالك في سلوكه من نفسه وعقله ومن جميع المعقولات والموهومات فضلا عن المحسوسات وقصره همته في التوجّه إلى الحقّ وذكره له بلسانه وقلبه بحيث لا يخطر بقلبه سواه ولا يبقى في قلبه غيره حتى يغيب عن نفسه حال ملاحظته لجلال اللَّه ، وإن لاحظها فمن حيث هي لاحظه لا من حيث هي مزّينة بزينة الحقّ ، بل لا يكون الذّكر أيضا ملحوظا فضلا عن الذّاكر .
قال : وإذا داوم السّالك على ذلك يفيض عليه نور من أنوار الالهيّة يشاهد به حقايق الأشياء على ما هي عليها كما يشاهد المحسوسات بحسّ البصر .
قال : ونحن اعتقدنا بامكان صدق هذه الدّعوى بحسن ظنّنا بالسلف ، وليس المراد بهذا النّور المذكور نور يفاض عليه من الخارج ، بل نور مودع في نفس الانسان ذواته ، والغرض من الرّياضة والمجاهدة تصفيته وتجليته من الأكدار الطبيعية والحسيّة والخيالية والوهميّة ، وإذا حصلت التصفية والتّجلية بالرّياضات العلمية والعملية والاعتقاد بالعقايد الحقّة صار هذا النّور من القوّة إلى الفعل ، ويرى به الأشياء ويشاهدها بعين اليقين ، اللَّهم بلَّغنا إلى ذلك المقام العالي باخراجنا عن هذا المنزل الفاني البالي ، انتهى ما أهمّنا نقله من كلامه .
وقد سلك هذا المسلك صدر المتألهين وصرّح به في كتبه الكلاميّة وغيرها في موارد كثيرة .
قال في الفصل الأوّل من إلهيّات الأسفار الذي ساقه لاثبات وجود الواجب تعالى والوصول إلى معرفة ذاته ما هذه عبارته : اعلم أنّ الطرق إلى اللَّه كثيرة لكن بعضها أوثق وأشرف وأنور من بعض ، وأسدّ البراهين وأشرفها هو الذي لا يكون الوسط في البرهان غيره بالحقيقة ، فيكون الطريق إلى المقصود هو عين المقصود ، وهذه سبيل الصديقين الذين يستشهدون بذاته على صفاته وبصفاته على أفعاله واحدا بعد واحد .
وذلك لأنّ الرّبانيّين ينظرون إلى الوجود ويحقّقونه ويعلمون أنّه أصل
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 147
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٤٧