بأنه هنا أو هناك ، لتوقف ذلك على الحصول في الحيّز والجهة والمحلّ ، وخالفت المجسّمة والمشبّهة في ذلك فقالوا : إنّ اللَّه في جهة فوق وانه جسم لا كالأجسام وقد تقدّم بطلانه وقال بعض الصوفيّة : بأنّه تعالى حالّ في قلوب العارفين ، فان عنوا به حلول العرض في المحلّ فهو باطل بما تقدّم ، وإن عنوا به شيئا آخر فلا بدّ من بيانه .
وقال المحقّق الطوسي في تلك الرّسالة : ولا يجوز عليه الاتّحاد وهو صيرورة الشّيئين شيئا واحدا ، بأن ينتفي أحدهما ويبقى الاخر أو ينتفيا معا ويحدث شيء آخر ، فانّ ذلك محال عقلا ، وقال قوم من القدماء : كلّ من تعقل شيئا تعقّلا تاما اتّحد بمعقوله ذلك ، وإليه ذهب جمع من الصوفيّة ، وذلك بالمعنى الذي ذكرناه غير معقول .
وقال العلامة في الشرح : الاتّحاد يطلق على صيرورة شيئين شيئا آخر ، بأن يعدم عن الأوّل شيء ويحدث فيه آخر كما يقال : صار الماء هواء ، فانّ الصورة المائيّة زالت واتّصفت بالصورة الهوائية أو بأن يمتزج شيئان ويحدث صورة ثالثة مغايرة للأوّل كما يقال صار الخشب سريرا ، وهذان ممكنان لكن اطلاق الاتّحاد عليهما بنوع من المجاز ، وهذا المعنى وإن كان ممكنا في حقّ غيره تعالى إلَّا أنّه يستحيل في حقّه أيضا لاستحالة انفعاله عن الغير وصيرورته جزءا من غيره .
وأمّا الاتّحاد الحقيقي وهو صيرورة الشيئين شيئا واحدا لا بأحد المعنيين بل بأن ينتفي الذّاتان ويتّحد إحداهما بالأخرى فهذا ضرورىّ البطلان .
فانّ الشيئين إن بقيا بعد الاتّحاد بحالهما فهما اثنان ، وإن عدم أحدهما فلا اتّحاد لاستحالة اتّحاد المعدوم بالموجود ، وإن عدما معا ووجد ثالث فلا اتّحاد بل اعدام شيء وايجاد آخر وذهب فرفوريوس بعد المعلَّم الأوّل إلى أنّ من عقل شيئا اتّحدت ذاته بذلك المعقول ، وإليه ذهب الرئيس في المبدأ والمعاد ، لأنّ الصورة العقليّة إذا حلت الجوهر العاقل بالقوّة صيّرته عقلا بالفعل وإنّما يكون كذلك مع الاتّحاد وإلَّا
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 142
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٤٢