عبس في وجهه فقال له : أما استحييت من أهلك أما رحمت ولدك أترى اللَّه أحلّ لك الطيبات وهو يكره أخذك منها أنت أهون على اللَّه من ذلك أوليس اللَّه يقول * ( وَالأَرْضَ وَضَعَها لِلأَنامِ . فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الأَكْمامِ ) * أوليس اللَّه يقول * ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ . بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ) * إلى قوله * ( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ) * فيا للَّه لابتذال نعم اللَّه بالفعال أحبّ إليه من ابتذالها بالمقال ، وقد قال اللَّه عزّ وجلّ * ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) * فقال عاصم : يا أمير المؤمنين فعلى ما اقتصرت في مطعمك علي الجشوبة وفي ملبسك على الخشونة فقال : ويحك إنّ اللَّه فرض على أئمّة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة النّاس كيلا يتبيّغ بالفقير فقره ، فألقى عاصم بن زياد العباء ولبس الملاء اللَّهمّ وفّقنا لطاعتك بمحمّد وآله .
تنبيه على مذهب الصوفية وهداية
اعلم أنّه قد ظهر لك اجمالا من هذا الكلام لأمير المؤمنين عليه السّلام الَّذى نحن في شرحه أنّ سلوك نهج العبوديّة بغير ما قرّره صاحب الشّريعة زيغ وضلال ، ووزر على سالكه ووبال ، وأنّه من استهامة الشيطان اللَّعين وتسويله وتمويه النّفس وتدليسه ، فأحببت باقتضاء المقام ومناسبته بسط المقال في هذا المرام والتّنبيه على ضلال أقوام زاغوا عن نهج الرّشاد ونكبوا عن طريق السّداد ، ونبذوا أمر اللَّه وراء ظهورهم واشتغلوا بالمجادلات الكلاميّة والهذيانات الفلسفيّة وأبدعوا عبادات مخترعة ، وأعرضوا عن حقايق علوم الدّين والملَّة ، ودقايق أسرار الكتاب والسّنّة ، وسمّوا أنفسهم بالمتصوّفة والصّوفيّة .
وقبل الشّروع في المقصود لا بدّ من تمهيد مقدّمة شريفة وهي : إنّه لا شكّ أنّ الغرض الأصلي والمقصود بالذّات من خلق الانسان هو العبوديّة والعرفان ، كما شهد به الكتاب المكنون في قوله * ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) * كما لا شكّ أيضا أنّ المقصود من بعث الأنبياء والرّسل وإنزال
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 132
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٣٢