تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
أمراءه بالكيد والحيلة ، ويؤدّب بالدّرّة والسّوط من يتغلَّب على ظنّه أنّه يستوجب ذلك ، ويصفح عن آخرين قد اجترموا ما يستحقّون به التّأديب كلّ ذلك بقوّة اجتهاده وما يؤدّيه إليه نظره . ولم يكن أمير المؤمنين عليه السّلام يرى ذلك ، وكان يقف مع النصوص والظواهر ولا يتعدّاها إلى الاجتهاد والأقيسة ، ويطبّق أمور الدّنيا على أمور الدّين ، ويسوق الكلّ مساقا واحدا ، ولا يضع ولا يرفع إلَّا بالكتاب والنّصّ ، فاختلف طريقتاهما في الخلافة والسّياسة . وكان عمر مع ذلك شديد الغلظة ، وكان علىّ عليه السّلام كثير الحلم والصّفح والتجاوز فازدادت خلافة ذلك قوّة ، وخلافة هذا لينا . ولم يمن عمر بما منى عليّ به من فتنة عثمان الَّتى أحوجته إلى مداراة أصحابه وجنده ومقاربتهم للاضطراب الواقع بطريق تلك الفتنة . ثمّ تلى تلك الفتنة فتنة الجمل وفتنة صفّين ثمّ فتنة النّهروان وكلّ ذلك الأمور مؤثرة في اضطراب أمر الوالي واغلال معاقد ملكه ، ولم يتّفق لعمر شيء من ذلك فشتّان بين الخلافتين فيما يعود إلى انتظام المملكة وصحّة تدبير الخلافة . فان قلت : فما قولك في سياسة الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وتدبيره أليس كان منتظما سديدا مع أنّه كان لا يعمل إلَّا بالنّصوص والتوقيف من الوحي ، فهلا كان تدبير عليّ عليه السّلام وسياسته كذلك . قلت : أمّا سياسة الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وتدبيره فخارج عمّا نحن فيه ، لأنّه معصوم لا يتطرّق العلَّة إلى أفعاله ، وليس بواحد من هذين الرّجلين بواجب العصمة عندنا « إلى أن قال » : وكان أبو جعفر بن أبي زيد الحسنى نقيب البصرة إذا حدّثناه في هذا يقول : إنّه لا فرق عند من قرء السير بين سيرة النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وسياسة أصحابه أيّام حياته ، وبين سيرة أمير المؤمنين وسياسة أصحابه أيّام حياته ، فكما أنّ عليّا عليه السّلام لم يزل أمره مضطربا معهم بالمخالفة والعصيان والهرب إلى أعدائه وكثرة اختلافه والحروب